فأخونا «د» عكس أخينا «أ»، أخونا «أ» بمركب النقص، وأخونا «د» مصاب «بمركب التسامي»، وكلاهما عيب، ومركب التسامي في نظر علماء النفس ليس إلا دخانا كثيفا يلف مركب النقص. فالمصاب بمركب التسامي تظهر عليه أعراض معينة، فهو يشعر بنقصه، ولكنه يمنع الناس أن يدركوها كما يدركها هو، ووسيلة ذلك الظهور بالتسامي والظهور بمظهر العظمة، ألا ترى أن الكلب الكبير حقا، العظيم حقا، لا ينبح إلا عند الضرورة، وأما الكلب الصغير الحقير فينبح ويقفز لأتفه الأشياء يعلن بذلك عن نفسه، ويغطي شعوره بنقصه؟! كذلك الرجل العظيم حقا لا يفخر بعظمته، لأنه يشعر أن أعماله كافية في التعبير عنه؛ والمرأة الواثقة بجمالها لا تبالغ في حيلها وزينتها كما تبالغ من شعرت في نفسها بشيء من العيب أو القبح؛ والغني الكبير العريق في الغنى لا يتظاهر بما يتظاهر به «المحدث في الغنى»؛ وهكذا كل شاعر بنقص في ناحية من النواحي يحتاج إلى عمل إشارات كثيرة تجعل الناس يؤمنون به ولا يطلعون على عيبه، شأنهم في ذلك شأن الطفل الصغير يشعر بالخوف فيأتي بإشارات وحركات يتظاهر فيها بشجاعته. الا ترون أن صاحبنا يحاول أن يفرض رأيه علينا فرضا، ولا يسمح لأحد أن يقترح رأيا بجانبه، ويريد أن يشعر دائما بشخصه، وهو الذي اقترح رحلتنا اليوم ونفذها، لا يحاسب نفسه كثيرا على تصرفه ولا على من اجتاحهم أثناء سيره، يضحينا دائما لطموحه، ويشك في قيمة الناس فيكتسحهم؟! (د) :
كلب في عينك قليل الأدب، لم يبق إلا أن تمثلني بالكلب، وما الكلب إلا أنت وعلمك الفارغ، كلمات تحفظها وتطبقها على ما يصلح لها وما لا يصلح، وشقشقة ألفاظ من مركب النقص ومركب التسامي لا حقيقة وراءها؛ إن كنت متكلما حقا، فحلل لنا نفسك وبين علاقتها بالكلب.
الدكتور :
آسف كل الأسف، وهذا ما كنت أخشاه من أول الأمر، ولكن ما كنت أتوقع أن يبلغ الأمر هذا المبلغ، فما ذنب طبيب إذا عرض عليه مريض فرأى عنده سرطانا؟ أيكون منصفا إذا قال إنه ورم بسيط، ولكني نسيت أمرا تعلمته، وهو أن الإنسان لا يسمح لطبيب النفس أن يشرحه ويعين مرضه كما يسمح لطبيب الجسم، ولهذا سبب ليس محله الآن، وكل ما أقوله إني آسف ومعتذر. (أ) :
غلطتك يا دكتور ليس في التشخيص، ولا في الشرح، ولكن في أنك قد فاتك التعبير الرقيق والتشبيه الفني، فقد كان يمكنك التعبير عن هذا المعنى تعبيرا أرق؛ وأنت يا «د» ليس لك الحق في الغضب، فقد تعاقدنا أول الأمر على ألا تغضب، والجو أمامنا فسيح، وفيضان النيل أمامنا بالغ منتهاه، فخذ من الدكتور ما يعجبك، وارم ما لا يعجبك في النيل أو في الهواء الطلق. (الجميع) :
وهو كذلك فأكمل لنا «ب»، وبذلك ينتهي الحديث في صفاء.
الدكتور :
أما أخونا «ب»، فهداه الغرق في نفسه إلى النزعة الدينية. فنشأ مرهف الحس في وسط كثير التدين، ولست أنسى والده وصلاحه وكثرة صلاته وصيامه، وامتلاءه عقيدة بحقارة الدنيا ونعيمها، وكثرة ذكره للموت. وتطلعه لحياة أخرى فيها الكمال المطلق؛ وفي هذا الوسط نشأ أخونا «ب» فنما شعوره القوي بالدين، وضعف اعتماده على وسائل الدنيا فقوي اعتماده على الله. يعتقد أنه بيدق في يد القدر. يرى أن النفس دائما أمارة بالسوء، فهو يتطلع إ الاستعداد من قوى روحية أخرى تعينه على السلوك المستقيم، فهو ينال ملاذ الحياة بحذر، ويخاف من النسيم أن يجره إلى الإثم، ومن الإثم أن يجره إلى النار، فحيى ضميره وشعوره من هذه الناحية حتى تسلط على كل أفعاله! فمقياس العمل عنده دائما الجنة والنار، أضعف نفسه الخوف فهرب من أداء الواجبات الدنيوية، وركز نظره إلى الحياة الأخرى يضع فيها آماله. ولا أريد أن أطيل حتى لا يغضب أيضا.
فلعلكم ترون من هذا هذه الفرصة السعيدة التي جمعتنا؛ وكان اجتماعنا أشبه باجتماع النماذج البشرية كاملة، فمنا اثنان محكومان بعقلهما، أحدهما محكوم بعقل منطقي فلسفي، والآخر بعقل عملي، ومنا اثنان محكومان بعواطفهما أحدهما محكوم بعواطف دينية، والآخر بعواطف دنيوية.