Introversion ، ولا أدري كيف أسميه بالعربية، فمعناه الحرفي «تحويل الظاهر إلى الباطن»، وهذا الصنف من الناس - عادة - من خصائصه أن يعيش في نفسه أكثر مما يعيش في خارجها، يميل إلى الدرس والبحث، فإذا غلب عليه هذا المزاج فهو أميل إلى الفلسفة والعكوف على أفلاطون وأرسطو وسبينووا وأمثالهم؛ ومن هذا الصنف أيضا فريق المتصوفة الذين يغرقون في أنفسهم ويحللونها ويشرحون مقاماتهم وأحوالهم، هم - عادة - خجولون في أوساطهم، يكرهون المجتمعات والحفلات الصاخبة، يشعرون شعورا بالغا بالألم التافه، ولا يشعرون شعورا عظيما بالفرح العظيم، يفضلون أن يجلسوا في حجراتهم يحلون مشكلة اجتماعية أو نظرية رياضية على شهود ألعاب رياضية أو حفلة موسيقية.
وأما «ح و ء» فمن الصنف الآخر الذي يسميه علماء النفس أيضا
Extraversion ، ومعناه الحرفي «تحويل الباطن إلى الظاهر»، وهذا الصنف من الناس - عادة - لا يستطيعون الصبر على الخلو إلى أنفسهم مدة طويلة، ولا يستطيعون أن يصبروا على البحث العميق الطويل، يحبون الناس واجتماعاتهم، وقد يشتركون في عمل الحفلات والولائم والإعداد لها، ويحبون الاشتراك في النوادي، يلفتون الأنظار إليهم في تصرفاتهم، ويحبون الظهور، وأن يكتب اسمهم في الجرائد دائما - يكرهون الفلسفة واسمها، ويكرهون العزلة؛ ويحبون من الروايات الكوميديا ويكرهون التراجيديا، ويعجبهم من الموسيقى النغمات المرحة ولا تعجبهم النغمات الحزينة، وهكذا.
ومنشأ ذلك خلقة وطبيعة وظروف أكثر منها أي شيء آخر.
أتذكر يا فلان (أ) أنك كنت ضعيفا في صغرك، لا تشترك مع الأطفال في لعبك! أولا تذكر يوم كنا في المدرسة الثانوية معا، وكان إخواننا في الفصل يطلقون عليك لقب «مالك الحزين»، وقد نما هذا الشعور عندك، فطلقت الجمعيات، واحتضنت الكتب، وشعرت بمركب النقص عندك، فمنحتك الطبيعة «التعويض»، وكان هذا التعويض أن تخلق من نفسك عالما غير العالم الخارجي تسمح فيه، ثم نمت عقليتك على حساب الملكات الأخرى، وعلى حساب الاشتراك مع الأصحاب في الألعاب والحفلات، فتفوقت على زملائك في العالم والعقل، وضعفت عنهم في المواهب الأخرى: في الألعاب الرياضية، في الحفلات السارة، في الأعمال الاجتماعية؛ ولترضي نفسك بهذا التعويض قومت الحياة العقلية أكبر من قيمتها، كما قومت الأنواع الأخرى من الحياة أقل من قيمتها، ولم تكتف بذلك، بل سبحت في عالم من الخيال الفلسفي، وجعلت مثلك في الحياة عزلة عن الحياة العملية إلى حياة فكرية مجردة تسخر فيها بحياة الناس العملية - حتى إنا لما دعوناك إلى هذه الرحلة معنا أتيت بضغط يشبه الإكراه. أليس كذلك؟
وعلى العكس من ذلك أخونا (ح)، فقد نشأ - كما أعرف وتعرفون - في صحة جيدة ووسط موات، ولما كان معنا في المدرسة الثانوية كان رئيس فرقة الكرة، وكنا إذا فكرنا في حفلة فهو منظمها، وهو المهرج فيها، وكان لا يحتبس في بيته للمذاكرة إلا عند الضرورة القصوى؛ فلما أتم دراسته كان - كما ترون - رجلا يعرف الدنيا، ويلعب بالبيضة والحجر كما يقولون، لا يعترف بالهزيمة إذا كانت، يلعب بالحياة كما كان يلعب الكرة في مدرسته، إذا غلبت فرقته مرة ضحك، واستعد أن يغلب في المرة القادمة؛ وبينما أخونا «أ» يحضر درسا في حجرته في نظرية «الأوساط» عند أرسطو، إذا بأخينا «ح» يطبق نظرية «الأوساط» في حفلة رقص. (ضحك من الجميع). (أ) :
إذن فما رأيك في أخينا «د»، وأخينا «ب»، فقد نسيتهما وصببت كل كلامك على «أ» و«ح».
الدكتور :
الواقع أني لم أنسهما، ولكن بدأت بالكلام في «أ» و«ح» لأنهما نموذجان متقابلان يشرحان فكرتي في وضوح، وباقي إخواننا ليسوا إلا صورة مكبرة أو مصغرة منهما، أو ملونة لونا آخر غير لونهما، ولكن الأساس واحد.