قال له أحدنا: يا دكتور، هل لك في هذا الجو الهادئ الجميل أن تحللنا، وتشرح لنا نفوسنا، وتسلط علينا علمك ومكرسكوبك، وتقرأ لنا نفوسنا كما يقرأ عالمم الكف أكفنا، فهذا درس عملي لذيذ، وفرصة سانحة تكشف لنا كثيرا من نفوسنا، وقد تفيدنا في أخلاقنا.
الدكتور: لا شك أن هذا عمل لذيذ مفيد، وحقيقة إنها لفرصة سانحة، فقد كنتم أصدقائي منذ صباي، واطلعت على نفوسكم وتصرفاتكم في المواقف المختلفة، واختزنت منها الشيء الكثير في ذاكرتي، مما يسهل لي الحكم عليكم؛ ولكني أخشى أن أغضبكم أو أغضب بعضكم، فكشف النفس أمر لا يستحب ككشف الجسم، وقد يحسن أن يكون ذلك حديثا منفردا مع كل منكم، حتى لا يطلع عليه الآخرون فيألم لذلك؛ والناس جميعا في كل مكان يودون أن يظهروا بمظهر الكمال، وتعريه نفوسهم كشف لعوراتهم، والناس في مصر أشد حساسية في ذلك، فهم يكرهون النقد، ويكرهون الناقد أكثر من غيرهم، ولذلك ضعف النقد، وركن الناقد إلى السلامة، سواء في ذلك النقد السياسي والأدبي والاجتماعي. ولما عدت إلى مصر من أوربا أدركت هذا المعنى في وضوح؛ فقد بدأت أنقد في مصر كما كنت أنقد في أوربا، فصدمت صدمة قوية عنيفة جعلتني أتردد في النقد. ولا أدري سبب ما رأيت من تأخر النقد، فقد كان النقاد في مصر أقدر وأجرأ منهم اليوم، ولا يصح تعليل ذلك بالحرب وإعلان الأحكام العرفية، فإن هذا إذا صدق في السياسة لم يصدق في الأدب والفن، وحتى قبيل الحرب لم نكن في هذا الباب خيرا منا الآن. (أ) :
كيف لا تدري السبب - يا دكتور - وأنت متخصص في علم النفس الفردي والاجتماعي، ولا شك أنك صادفت مثل هذه الأعراض وحللتها وشرحتها.
الدكتور :
ليس الأمر أمام العالم بهذه السهولة، فعالم النفوس من أعقد العوالم وأدقها، وفي كثير من الأحيان كانت تعرض علينا حالات فردية كنا نحار في تفسيرها - أنا ومن يعمل معي من أساتذتي وزملائي - ونذهب فيها كل مذهب، وأخيرا نقرر عجزنا عن حلها. هذا في حالة نفسية فردية، فكيف في حالة اجتماعية! ولكن - على العموم - يخيل إلي أن سبب ضعف النقد في مصر وغضب المنقودين يرجع إلى أن رقي الثقافة العامة في أوربا جعلتهم يدركون أن كل فرد له مزاياه وعيوبه، فإذا كشفت عيوب شخص فلا بأس، فهذا أمر طبيعي؛ ثم فشو الروح الرياضي في الأمم جعلتهم في ألعابهم يتلقون الضربات في سماحة، ويتلقون النقد في سماحة مثلها؛ ثم إن معدل «مركب النقص» في مصر أكبر منه في أوربا، ولذلك كان النقد يزيد في المنقود هنا شعورا بهذا النقص، فيغضب ويتألم، ألا ترى أن الرجل الواثق بنفسه لا يؤلمه النقد كما يؤلم من فقد الثقة بنفسه، وهكذا؟! (أ) :
لكن هذا يا دكتور يصح أن يكون سببا في ضعف النقد في مصر عنه في أوربا، ولكن لا يعلل ضعف النقد في مصر عنه في مصر أيضا منذ سنوات.
الدكتور :
هذا صحيح، وفي ظني أن هذا يرجع إلى أسباب اجتماعية وتاريخية أكثر منه إلى أسباب نفسية، وإن كانت هذه الأمور مرتبطة ببعضها ارتباطا كبيرا، فغلبة الرجعية، وعدم استجابة جمهور الأمة لدعاة التجديد، وغير ذلك من أسباب ليس هنا موضعها، كانت سببا في ذلك. (ب) :
قد خرجنا عن موضوعنا بعض الشيء، فحلل نفوسنا، ولك علينا عهدا لا نغضب، وأنت من جانبك لا تتعمق في مشرطك، ولا تبالغ في جرحك، واستعمال الإيماء أحيانا، والكناية أحيانا، ففي ذلك كفاية. (ج) :
أما أنا فأنصحك أن تقول كل شيء عني في صراحة من غير تلميح؛ فإن أنت مدحتني وهديت إلى محاسني ومزاياي، كان علمك صحيحا وكلامك صحيحا، وإن ذممتني ونقدتني كان علمك سخيفا وكلامك سخيفا؛ وأنا راض في الحالين، فالحكم عليك لا علي. (ضحك الجميع).
الدكتور :
وليكن، ولكن اسمحوا لي أن أتكلم كلاما عاما بعض الأحيان، وكل منكم يطبقه - إن شاء - على نفسه. ومن محاسن الصدف أنكم الأربعة تمثلون أصناف الناس ونماذجهم الأصلية؛ فأولا: «أ و ب» من النموذج الذي يسميه علماء النفس