قد يفسد الدين رجال الدين، فيضطهدون العلماء، ويعذبون الفلاسفة، ويقيمون محاكم التفتيش، ويشعلون نار الحروب الصليبية، ويتعصبون تعصبا زريا، ولا ينقذ الإنسانية من هذا كله إلا الشعور بالجمال، يستقبح العصبية، ويستجمل التسامح، ويسمو بالدين عن السفاسف.
لقد تأسست الأديان - فيما تأسست - على شعور الإنسان بالجمال، فالكنائس الفخمة البديعة بما فيها من فن ونقش وتصوير وموسيقى، والكتب السماوية - بما فيها من شعر - كانت عاملا كبيرا من عوامل الاستجابة للدين. والإسلام - مع بعده عن التصاوير والتماثيل ومحاربته لها - استخدم الشعور بالجمال من واد آخر، فقد لفت النظر إلى مناظر الطبيعة الجميلة على أنها آية من آيات قدرة الله وعظمته وجلاله وجماله:
أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت .
والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسماء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها .
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون . الخ.
ومعجزة الإسلام الكبرى تتوقف على الشعور بجمال أسلوب القرآن، وفنه في أداء أغراضه وحسن تصويره لمعانيه، وقصده مع هذا جمال البساطة؛ وكم للبساطة من جمال!
ولما تقدم المسلمون في الحضارة غذوا شعورهم بالجمال من الناحية الدينية أيضا، فجملوا المساجد، وأدخلوا الموسيقى في الأذان وقراءة القرآن.
ثم الصوفية من كل دين جعلوا أسمى أغراضهم الفناء في الحب، وهل هناك حب إلا لجمال؟ إذا رقى الشعور بالجمال في أمة ثارت على كل قبيح في مادة أو معنى، ولم تقنع إلا أن يحيط بها الجمال في نفسها وفي بيتها وفي قوانينها وفي نظام حكومتها، وفي كل شيء حولها.
وإذا سما الشعور بالجمال في إنسان أدرك أن الفضيلة فضيلة لجمالها، لا لأي صفة أخرى. فالجمال انسجام، والقبح نشاز؛ جمال الأدب في انسجام لفظه مع معناه، وانسجام ذلك كله مع الكاتب والقارئ؛ وجمال الموسيقى في انسجام الأصوات، وانسجام الأصوات مع النفس، والشعور المرهف بالجمال يرى الفضيلة إنما كانت فضيلة لجمالها، وجمالها أتى من انسجامها مع المجتمع، وسيرها معه في طريق الرقي.
قد تصدر الفضيلة عن عرف وعادة، فتكون عرضة للخطأ والفساد، ككل عرف وعادة؛ وقد تصدر عن عقل فيحسب العقل ما في العمل من خير وشر، ولذة وألم، ومنفعة ومضرة، فيكون شأنها شأن كل أحكام العقل فاترة جامدة، عرضة لأن يلعب بها المنطق الذي يستطيع أن يبرهن على الشيء ونقيضه؛ إنما القيمة الحقة للفضيلة في أنها تصدر عن عشق وهيام، ولا عشق ولا هيام إلا عن شعور بالجمال - أمثال هؤلاء هم الذين ضحوا بأموالهم وأنفسهم لعقيدتهم وفضيلتهم وحريتهم، ولولا العشق ما كانت التضحية، ولولا الجمال ما كان العشق.
أفبعد هذا كله - يا أخي - تنكر على شعوري بالجمال، وتنصحني بستره؟!
| في الهواء الطلق (5)
كانت رحلتنا هذه المرة إلى «الأهرام» في ليلة اكتمل فيها البدر، فصبغ العالم بلونه الزاهي الجميل، وامتلأ الوادي بفيضان النيل، فكان في ضوء القمر فضة مذابة، ورق النسيم وراق الجو، فكان كل ذلك متعة النفس وجلاء القلب.
وكنا أربعة خامسنا عالمنا، قد تخصص في علم النفس، ودرسه في مصر وفي أوربا، وفي المدارس النظرية والمدارس العملية، وشغف به حتى شغله عن كل شيء؛ فهو قليل الكلام إلا إذا عرض شيء نفساني، فهو يتدفق ويتدفق؛ وإذا تحدثنا في شخصية من الشخصيات السياسية أو المالية أو العلمية، أخذ يحللها نفسيا، ويرجع مظاهرها إلى عناصرها الأولى، كما نحلل نحن عددا حسابيا كبيرا إلى عوامله الأولية. وإذا روينا حادثة اجتماعية حدثت، أخذ يشرحها وينظر في أعماقها ودقائقها، كأن هذا العلم وضع على عينيه «مكرسكوبا» دقيقا.