ما الدنيا إذا فقدت الجمال، وفقدنا شعورنا بالجمال؟! إنها - إذن - لا تستحق الحياة فيها ساعة، فما يقومها ويجعلها تستحق البقاء إلا أن كل شيء فيها مزج قصد النفع منه بقصد التجميل: «ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون».
لولا الجمال والشعور به لبقيت الكهوف والمغارات هي مساكن الإنسان الآن كما كانت مساكن الإنسان الأول، ففيها كل الفناء في أنها تقي الحر والبرد، وتسد الحاجة، وما طورها هذا التطور البديع إلا القصد إلى التجميل، وعن هذا نشأ فن المعمار وهندسة البناء والمدن، ولولا الجمال لكانت البيوت حجارة مرصوصة في غير نظام ولا ترتيب، ولا فرق بين أعظم المدن وأحقر بيوت الفلاحين إلا الجمال والشعور به والقصد إليه.
ولولا الجمال ما كانت الحدائق والبساتين، ولا كان حب الأشجار والأزهار، ولا كان هناك فرق بين رائحة البنزين ورائحة الياسمين، فما فرق بينهما إلا الشعور بالجمال؛ بل ولا كان فرق بين لون الجراد والقنفذ، ولون الطاووس والفراش، ولانعدمت تماما مملكة الألوان بما فيها من زينة وإبداع.
ولولا الجمال لاختفى كل فن، فلا أدب ولا تصوير، ولا نقش ولا موسيقى، ولاختفى كل أسماء الفنانين، ولما كان أبو نواس والمتنبي، والجاحظ والحريري، وشكسبير وموليير وجوته، ولا إسحاق الموصلي وبيتهوفن، ولا رفائيل، إلا أسماء ميتة لمدلولات ميتة، ولكانت أصوات سوق النحاسين كموسيقى أشهر الموسيقيين، ولكانت أصوات البوم والغربان كأصوات البليل والكروان؛ ولا كانت كتب إلا كتبا في التجارة والحياة العملية؛ بل وما كان الإنسان إلا آلة حقيرة، يعمل وينتج ويستهلك كآلة النسيج أو آلة الطباعة، على شرط ألا يكون في نتاجها أثر من آثار الزينة والجمال.
ولولا الشعور بالجمال ما كان في كل ما حولنا من مناظر طبيعية جمال: فشروق الشمس وغروبها، وبريق النجوم ولمعانها، والبحار وأمواجها، والسماء وزرقتها، لا قيمة لها في نظر فاقد الشعور بالجمال، كما لا قيمة لها في نظر العميان.
دقق النظر فيما شئت من مأكلك ومشربك وملبسك ومسكنك، تر أن الاحتفاء فيها بالجمال أضعاف الاحتفاء فيها بالمنفعة، ولولا ذلك لقنع من مأكله ببرشامة، ومن ملبسه بما يقيه الحر والبرد من أي صنف ولون، وعلى أي وضع، وهكذا.
فإن أنت انتقلت من الحسيات إلى المعنويات، رأيت جمالا ساميا، وحسنا فائقا، فللعدل جماله، وللحق جماله، وللتضحية جمالها، وللشجاعة جمالها؛ ولو أنت قدرت كل ذلك بميزان المنفعة وحدها لضاع منها أكبر قيمتها، وكنت كمن يقدر الوردة الجميلة بثمنها، والشجرة الجميلة بغلتها.
إن تقدم الإنسانية في المدنية والحضارة، والدين والعلم، والاختراع والخلق، يدين للشعور بالجمال أكثر من أي شيء آخر، فلولاه ما تحرر الإنسان من سيطرة الطبيعة عليه، ذلك أنه لما استيقظ في نفسه الشعور بالجمال نظر إلى العالم حوله نظرة عجب وإعجاب، فكان هذا مفتاح بحثه، ومفتاح عليه، ومفتاح فك القيود التي قيدته بها الطبيعة، بل ومفتاح تحرره من القيود الثقيلة التي قيده بها النظام الاجتماعي من استبداد وظلم واعتساف. لقد تنبه شعور الإنسان بالجمال رويدا رويدا، فرأى وجه الظالم قبيحا فنفر منه، ووجه الرق ذميما فاشمأز منه، بقدر ما استجمل العدل والحرية والإخاء والمساواة، فهانت عليه التضحية في سبيل جمالها؛ ولولا شعوره بهذا الجمال لكان هو والحيوان سواء. فلئن كانت السلطات المختلفة - دائما - تنسج جمال الأغلال، فالشعور بالجمال يعمل - دائما - على نقض ما أبرمت، وفك ما غلت.
والفرق بين أمة راقية وأمة منحطة هو الشعور بالجمال، هو ينظفها، وهو يمدنها، وهو ينظم مدنها، وهو يرقي عقلها، وهو الذي يحقق العدل فيها، وهو الذي يحسن العلاقة بين أفرادها، وبين أفرادها وحكوماتها؛ فامنحني الشعور بالجمال تمنحني كل شيء، واحرمنيه أحرم كل شيء - ولو أنصف رجال التربية لملئوا برامج المدارس بما يربي الشعور بالجمال، كما ملئوه بما يربي العقل - في زعمهم - ورحم الله مربيتي الإنجليزية، فقد كان أكبر همها أن تزين حجرتها بالأزهار الجميلة والصور البديعة، ومن حين لآخر تغير أوضاعها حتى تجدد ذوقها؛ فإذا دخلت الحجرة ولم ألحظ ذلك التغيير، ولم أبدأ الحديث بتحبيذه أو نقده، صرخت في قائلة: «يجب أن يكون لك عين فنية، وأذن موسيقية».