ألست ترى معي أن هذه نظرة صادقة، ودعوة جريئة كانت قبل «قاسم أمين» بنيف وثلاثين عاما؟! وقد ملأ «الشيخ» هذا الفراغ بتأليف كتاب للمطالعة يصح أن يوضح في يد الفتى والفتاة سماه «المرشد الأمين للبنات والبنين». •••
وقد يكون «الشيخ» في شعره ضعيفا أشبه ما يكون بشعر الفقهاء، وقد لا يبلغ في نثره مبلغا عاليا، فكثيرا ما يتعثر في السجع المتصنع، ويشد أنواع البديع شدا؛ وينبو ذوقه أحيانا في كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» في تعرضه لموضوعات لا يصح أن توضع في يد البنات، كفصله في «البكارة والثيوبة» ونحو ذلك؛ ولكن من العدل إذا قسناه أن نقيسه بزمنه، وبمن قبله لا بمن بعده - فقد نشأ في زمن يعد فيه «من فك الخط» كاتبا، وعالم الأزهر الذي يقرأ «المطول» و«الأطول» في البلاغة لا يحسن أن يكتب خطابا لأمه أو أبيه.
على أن قيمة «الشيخ» الكبرى ليست في أسلوبه، أو شاعريته أو ناثريته، إنما هي في أنه نشر العلم في أوساط فسيحة، وأسس نهضة علمية متوثبة، وفتح للمتعلمين آفاقا واسعة لم يكن لهم بها عهد، وذوقهم معنى العلم الصحيح، وشوقهم للاستزادة منه، وبصرهم بعيوبهم، وأبان المناهج لتكميل نقصهم؛ وليس ذلك بقليل على رجل. •••
أربعة وأربعون عاما تقريبا منذ عاد من باريس وهو في هذا العمل الدائب والحركة التي لا تنقطع في التعليم والتأليف والترجمة والنشر، حتى أوفى على الخامسة والسبعين، وقد دهمه الدهر الذي لا يرحم، فلفع بالشيب رأسه، وأحنى قوسه.
وفي ليلة فاجأه مرض «البروستاتا» أو التهاب المثانة فعولج حتى شفي، ثم عاوده واشتد عليه؛ وفي أول ربيع الثاني سنة 29/1290 مايو سنة 1873 حصر بوله، تسمم دمه، أسلم لخالقه روحه - سرى البرق بنعيه - اهتزت مصر لموته، احتشد لتشييع جنازته الألوف المؤلفة من رجال المعارف والأمراء والنبلاء وتلاميذ المدارس. وازدحمت الشوارع بالناس يردون بعض جميله: يذكره الأزهريون على أنه ابنهم، والمتعلمون المدنيون على أنه أبوهم، والجالية الفرنسية على أنه أخوهم، والمصريون كلهم على أنه مؤسس نهضتهم؛ وكلهم بتوجع لفقده، ويشيد بذكره. وسار المشهد من منزله بالمهمشا، حتى إذا قارب المدينة كان ينتظره شيخ الأزهر وعلماؤه وطلبته، فاشتركوا في تشييع الجنازة، ووضع النعش في القبلة الجديدة، ولا يكون ذلك إلا لعظيم، وأخذ الأفاضل في رثائه بالقصائد والخطب، ثم حمل إلى «بستان العلماء»، حيث طويت صحيفته، وبقيت آثاره خالدة تعظم وتتزايد وتتوالد - رحمه الله، فقد صنع لأمته كثيرا.
| تقدير الجمال
عجب بعض الناس إذ ذكرت أن الشيخ رفاعة الطهطاوي - الرجل الأزهري الصالح - تغزل في صوت النواقيس حينما رست سفينته على «نابولي»؛ وعجب صديقي الدكتور إسحاق موسى الحسيني إذ سمع مني لأول مرة إعجابي بجمال عيون سيدة كانت تعلمني، ونقدني بعض إخواني في لجنة التأليف أن أذكر مثل هذا في بيئة أكثر فيها الخلعاء من ذكر الجمال وصور الجمال، حتى استهتر الشباب وانغمسوا في اللهو، وأفرطوا في التهتك. قالوا - فالواجب يقضي أن نصدهم عن هذا التيار، ولا نجاريهم في هذا الميدان، ولا يأتي ذكر الجمال على لساننا، فإنهم إذا اتجهوا للجمال لم يقفوا عند حد، وجرفهم التيار حتى يغرقهم. وأرى أن هذا سوء تقدير للجمال، وظلم له؛ وكأن الفضيلة أن يكون الإنسان حجرا لا يأنس بجمال، ولا ينفر من قبح، وكأن من يقدره يرتكب جريمة يجب عليه أن يتستر منها. وفي رأيي أن شرور العالم كلها تنشأ من سوء تقدير الجمال لا من حسن تقديره، والذين يستهترون ويفرطون في اللهو إنما أتاهم ذلك من قصر نظر إلى الجمال، لا من سعة نظر فيه، ومن انحطاط في فهمه لا من سمو في إدراكه - ومن الخطأ أن نعد الجمال من كماليات الحياة، فإنه من ضرورياتها، وأن نعده متعة من متع ساعات الكسل والفراغ، فإنه لا بد أن يملأ حياتنا؛ ومن قصر النظر أن نقصره على أنواع من الزينة، وعلى ضروب من الأشكال، وعلى أنماط من المظاهر، فمداه أوسع من أن يحده حد. وهو أعمق من أن يكتفي فيه بالسطح، وهو أقوم من أن يكون ملهى في لحظات من الحياة.