تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمنية تمناها، وخطة أملاها منذ 116 سنة، لو سرنا عليها لحللنا أكثر مشاكل التعريب التي نعانيها اليوم.

وظل يكافح في هذا الباب كفاح الأبطال، فقد عهد إليه منذ عودته بأعمال مختلفة تتصل بعلوم مختلفة، فأخذ في كل منها يواجه مشكلة مصطلحاتها، ويضع ما ندين له ببعضها اليوم - يترجم في الهندسة ويضع بعض مصطلحاتها، وكذلك في الطب، والجغرافيا، والتاريخ؛ ويترجم القانون الدني الفرنساوي ويضع مصطلحاته، وهكذا. •••

بلغ «الشيخ» أوجه في عهد إسماعيل لما عادت الحركة العلمية قوية نشيطة؛ بلغ أوجه المالي، فقد منحه إسماعيل 250 فدانا أخرى، فبلغ مجموع ما منحه 736 فدانا، واشترى هو 900 فدان أخرى، فكان ما يملكه 1636 فدانا، غير العقارات العديدة في القاهرة وطهطا؛ فقد كان في عهد يكافأ فيه الرجل النافع بما يوسع رزقه، ويوفر جهده لعمله؛ ومع ذلك فهذا الباب أتفه مقوماته، فقد ذهب الشيخ رفاعة وأصبحت أطيانه الموقوفة مصدرا لنزاع لا ينتهي، ولم يخلده إلا مجهوده العلمي وآثاره الباقية.

ويبلغ أوجه العلمي، فهو عضو من أعضاء «قومسيون المدارس»، يضع برامجها، ويشرف على التعليم والامتحان فيها، ويقول فيه علي باشا مبارك: «كانت مجامع الامتحان لا تزهو إلا به»، وهو ينشئ أول مجلة مصرية هي «مجلة روضة المدارس»، يلتف حوله في تحريرها أدباء مصر وعلماؤها.

ويرى أن ليست هناك كتب للمدارس تصلح لمواجهة النهضة الجديدة والعقلية الحديثة؛ فالكتب الأزهرية لا تناسب الطلبة، والكتب الأدبية القديمة مملوءة بالغث والسمين، والدنيا كلها تؤسس تعليمها على النعرة الوطنية، والتعريف بمزايا الوطن وتاريخه، وتستنهض همم الناشئين لخدمته، ولا شيء من ذلك في الكتب العربية .

إذن فليقم هو بكل هذه المهمات.

يؤلف كتابا في النحو على نمط جديد، محتذيا فيه حذو الفرنسويين في تسهيل أجروميتهم، ويسميه «التحفة المكتبية» في القواعد والأحكام والأصول النحوية بطريقة مرضية، ويضع بعض القواعد في شكل جداول يسهل حفظها.

ويضع لمطالعة المدارس كتاب «مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية»، وهو أول كتاب عربي ينزع إلى الناحية الوطنية، فيذكر معنى الوطن، ومصر ومزاياها؛ وتشغل ذهنه المنافع العامة فيخصص لها أكثر الكتاب، فيذكر كيف تؤدى في البلاد المتمدنة، ونبدأ مما قام به بعض رجال المسلمين في سبيل المنفعة العامة، وواجب الأغنياء، وكيف يربي الأولاد، وفصولا في الاقتصاد المصري: من منابع الثروة وتقسيم الأعمال إلى منتجة للأموال وغير منتجة؛ ويعود إلى المنافع العامة ويقسمها ويبين تاريخها في الأمم وتاريخ مصر إزاءها إلى عهد محمد علي، ويذكر الإصلاحات التي عملها، ثم يذكر الآمال التي يأملها في المنافع العامة في المستقبل.

ثم خاتمة فيما يجب للوطن الشريف على أبنائه من الأمور المستحسنة.

وهو - في كل ذلك - يجمع بين ثقافته الإسلامية وثقافته الفرنسية.

وينزع إسماعيل إلى تعليم البنات، وتنشأ أول مدرسة لهن في مصر، ولا يرضى عن ذلك الرأي العام المصري المتدين، فيقف الشيخ رفاعة في كتبه يحبذ تعليم البنات، ويرد حجج المعارضين، فيقول: «ينبغي صرف الهمة في تعليم البنات والصبيان معا لحسن معاشرة الأزواج، فتتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك، فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا، ويجعلهن بالمعارف أهلا، ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم ... وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال أن تتعاطى من الأعمال والأشغال ما يتعاطاه الرجال على قدر قوتها وطاقتها ... وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة، فإن فراغ أيديهن عن العمل يشغل ألسنتهن بالأباطيل، وقلوبهن بالأهواء، وافتعال الأقاويل؛ فالعمل يصون المرأة عما لا يليق، ويقربها من الفضيلة؛ وإذا كانت البطالة مذمومة في حق الرجال، فهي مذمة عظيمة في حق النساء، فإن المرأة التي لا عمل لها تقضي الزمن خائضة في حديث جيرانها، وفيما يأكلون ويشربون، ويلبسون ويفرشون وفيما عندهم وعندها، وهكذا. وأما القول بأنه لا ينبغي تعليم النساء الكتابة، وأنها مكروهة في حقهن ارتكانا على بعض الآثار، فينبغي ألا يكون ذلك على عمومه؛ ولا نظر إلى من قال إن من طبعهن المكر والدهاء والمداهنة، فتعليم القراءة والكتابة ربما حملهن على الوسائل الغير المرضية ... فمثل هذه الأقوال لا تفيد أن جميع النساء على هذه الصفات المذمومة، وكم من نهي وردت به الآثار كمقاربة السلاطين والتحذير من الغنى، وقد حمل كل ذلك على ما يعقبه شر وضرر محقق؛ وتعليم البنات لا يتحقق ضرره، وكيف ذلك وقد كان من أزواجه صلى الله عليه وسلم من يكتب ويقرأ، كحفصة وعائشة. الخ الخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٣٦