ومع هذا فقد وسع «الشيخ» نفوذه العالمي. فقد وضع مشروع مدرسة بالقلعة تدرس فيها الفنون الحربية والمدنية وأقره عليها سعيد باشا، فاختار لها المدرسين، وراعى في كل ذلك ما يشوق الأهلين للإقبال عليها وإدخال أبنائهم فيها؛ ثم امتد نفوذه فأعيد قلم الترجمة، وهو أشبه شيء بمدرسة الألسن، وجعل مشرفا عليه؛ وأحيلت عليه نظارة مدرسة المحاسبة والهندسة الملكية والمعمارجية؛ وأحبه سعيد باشا وقربه جدا إليه، واستمد الشيخ منه نفوذه يوجهه في التعليم ونشره.
وهنا ذكر الشيخ عهده بالمستشرق ده ساسى، والمستشرق كوزن، وما يقوم به المستشرقون من أعمال قيمة في خدمة اللغة العربية بنشرهم أمهات الكتب، فوضع مشروعا للعناية بتصحيح الكتب القديمة القيمة، وطبعها بمطبعة بولاق وعرضه على سعيد باشا فأجازه؛ وجرد الشيخ محمد قطة العدوي، والشيخ إبراهيم الدسوقي، والشيخ نصر الهوريني وغيرهم، واشترك معهم في اختيار الكتب التي تطبع والقيام على تصحيحها وطبعها؛ فطبع بإرشاده تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب الدينية والأدبية والتاريخية، فكان هذا دعامة أخرى من دعائم النهضة: تأسيس الكتب بعد تأسيس الرجال؛ وأعانه على ذلك معرفته الواسعة بالكتب العربية غرامه باقتنائها، وإنشاؤه لنفسه مكتبة واسعة غنية بالنوادر. •••
لم تكن كل الأمور ميسرة كما نراها اليوم، بل كان الطريق لكل عمل وعرا محفوفا بالمصاعب، فإنشاء مدرسة أو إلغاؤها منوطان بالوالي نفسه، فلا بد من قصائد مديح ودعوات صالحات وملق أنيق، تقدم للوالي في لفائف من حرير لينشئ مدرسة، ولا بد من أول الكتاب وآخره من ثناء مستطاب، ودعاء للأنجال، وتزلف لمدير المطبعة ونجله ليتم طبع الكتاب، ولا بد ولا بد في كل شيء، من كل شيء؛ والشيخ ماهر في كل ذلك، يعرف من أين تؤكل الكتف، ويأتي البيوت من أبوابها، فيسهل عسيرها ويحل عقدتها.
ومسائل العلم نفسها عسيرة كمسائل الولاة والأمراء، فالعلم الحديث قد تقدم، والعلم العربي قد وقف منذ سبعة قرون، وهو إذا أراد ترجمة كتاب حديث اصطدم بالمصطلحات: ماذا منها عرفه القدماء وماذا منها لم يعرفوه؛ وماذا يضع من الكلمات لما لم يعرف، هل يضع الكلمات الأجنبية كما هي بعد صقلها صقلا عربيا، أو يبحث لها عن لفظ عربي؟
لقد حيره ذلك منذ كان في باريس وعندما عهد إليه ترجمة كتاب في «الفولكلور» أو عادات الشعوب، سماه «قلائد المفاخر، في غريب عوائد الأوائل والأواخر»، يتمرن فيه على الترجمة، فاصطدم بأسماء البلاد الإفرنجية والرجال والأشياء، وكان هو لم يعرفها فيرجع إلى المعاجم التي تشرحها، فبم يترجمها؟
لقد اهتدى إلى فكرة لطيفة، هي أن يجعل للكتاب ملحقا يضمنه كل الأسماء الإفرنجية التي وردت في الكتاب ويرتبها على حسب حروف المعجم، ويضع لها اسما مأخوذا من اللفظ الإفرنجي، ويصقله صقلا عربيا: فللبرازيل «إبرزيلة» بسكون الموحدة وكسر الراء بعدها مثناة تحتية فزاي مكسورة فلام فتاء تأنيث، ثم يأخذ في شرحها وتاريخها؛ وأوميروس أو هوميروس، ويضبط الكلمة ويعرف به؛ وكذلك البارومتر، والسبكتاكل ويقال له التياترو اسم للعبة ببلاد الفرنج يلعب فيها تقليد سائر ما يقع، ويأخذ في شرحها في نحو صفحة، وهكذا.
ويود أن كل مترجم كتاب يجرد هذه المصطلحات ويعربها كما فعل، ويجمعها في أول الكتاب أو آخره حتى يكون للغة العربية بعد ذلك معجم جامع لكل المصطلحات الإفرنجية، وأسماء البلاد والأشخاص والأشياء؛ وهذا نص كلامه العجيب: «وقد شرحنا الكلمات الغريبة التي توجد في هذا الكتاب وعربناها بأسهل ما يمكن التلفظ به، حتى يمكن أن تصير على مدى الأيام دخيلة في لغنا كغيرها من الألفاظ المعربة عن الفارسية واليونانية؛ ولو صنع نظير ذلك في كل كتاب ترجم في دولة أفندينا ولي النعم الأكرم لانتهى الأمر بالتقاط سائر الألفاظ المرتبة على حروف الهجاء، ونظمها في قاموس مشتمل على سائر غريب الألفاظ المستحدثة التي ليس لها مرادف أو مقابل في لغة العرب، فإن هذا مما يفيد التسهيل على الطلاب، وبه تحصل الإعانة على فهم كل علم أو كتاب».