تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماذا نطبخ اليوم؟

السيد :

والله لا أدري، أنطبخ باذنجانا؟

الطاهي :

الله! نعم ما ذكرت، إنه لذيذ الطعم، مفيد للجسم.

السيد :

ولكنه يتعب معدتي.

الطاهي :

صدقت، ما أثقله، وما أعسر هضمه، وما أقل فائدته.

السيد :

يا رجل! إنك من لحظة تمدحه وتقر بفائدته!

الطاهي :

اسمع يا سيدي، أنا خادمك أو خادم الباذنجان!

كذلك شم هؤلاء رغبة الوالي في إقفال المدارس، فاستطاعوا أن يجدوا ألف دليل على ضرر العلم وضرر التعليم، وطعنوا في الشيخ رفاعة بأنه قليل الفائدة، عقيم الطريقة.

فإذا الأمر يصدر بنفيه إلى الخرطوم تحت ستار غنشاء مدرسة ابتدائية هناك وتعيينه ناظرها ومعه طائفة من المغضوب عليهم ولا الضالين. ولم يكن الأمر أمر اختيار كما هو شأننا اليوم، نقبل الوظيفة أو نرفضها، إنما الأمر أمر جزم يقبل الوظيفة، أو ينفى إلى أسوأ من الخرطوم بلا وظيفة.

الشيخ في الخرطوم بعد باريس، ولم تكن الخرطوم كما نعهد اليوم، نظافة شوارع، وجمال مساكن، ومدنية وأبهة، إنما كانت مدينة صغيرة لا عناية فيها بالصحة، ولا وسائل متوفرة للعيش، وهو ناظر مدرسة ابتدائية في السودان بعد أن كان ناظر التعليم كله في مصر، وكل يوم يتخطف الموت أحد معاونيه، حتى لم يبق إلا نصفهم أو أقل، والشيخ يستغيث ولا مغيث، فيشفي غليله في قصائد الاستغاثة، يستغيث أولا بالأمراء، فإذا فشل استغاث بالأولياء والأنبياء، ها هو يستغيث - أولا بحسن باشا كتخدا مصر بقصيدة في ستة وثمانين بيتا، يصف فيها الوشاة فيقول:

مهازيل الفضائل خادعوني

وهل في حربهم يكبو جوادي؟

وزخرف قولهم إذ موهوه

على تزييفه نادى المنادي

قياس مدارسي - قالوا - عقيم

بمصر، فما النتيجة من بعادي؟

ويعجب كيف يقوم لمصر بمثل هذه

الأعمال ثم يجازى مثل هذا الجزاء

على عدد التواتر معرباتي

تفي بفنون سلم أو جهاد

وملطبرون يشهد وهو عدل

ومنتسكو يقر بلا تمادي

ومغترفو قراح فرات درسي

قد اقترحوا سقاية كل صادى

ولاح لسان باريس كشمس

بقاهرة المعز على عمادي •••

رحلت بصفقة المغبون عنها

وفضلي في سواها في المزاد

وما السودان قط مقام مثلي

ولا سلماي فيه ولا سعادي

ويحز في نفسه فرقة أولاده:

وقد فارقت أطفالا صغارا

بطهطا دون عودي واعتيادي

أفكر فيهموا سرا وجهرا

ولا سمري يطيب ولا رقادي

أريد وصالهم والدهر يأبى

مواصلتي ويطمع في عنادي

وكان الشيخ ماكرا حقا، فقد وضع القصيدة على وزن وقافية:

لقد أسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

فلما لم يجده ذلك أخذ يخمس قصيدة لسيدي عبد الرحيم البرعي في مدح النبي مطلعها:

خل الغرام لصب دمعه دمه

حيران توجده الذكرى وتعدمه

يقول فيها: «رفاعة» يشتكي من عصبة سخرت

لما رأت أبحر العرفان قد زخرت

فارفع ظلامة نفس عدلك ادخرت

وهاك جوهر أبيات بك افتخرت

جاءت إليك بخط الذنب ترقمه

أربع سنوات في السودان كانت عليه كسنى يوسف، ومع هذا يترجم فيها قصة «تليماك»، ويعلم في مدرسته بعض أبناء السودان وأبناء الموظفين من للمصريين، وكانت مندرسته نواة لما أنشئ بعد من مدارس، ولم ينقذه من نكبته إلا موت عباس وتولي سعيد.

| الشيخ رفاعة الطهطاوي (6)

يعود الشيخ رفاعة من السودان إلى مصر في أول عهد سعيد باشا، ولكن لا تعود مدرسة الألسن - فسعيد لم يعد نهضة التعليم كما كانت في عهد محمد علي وإبراهيم، وإن توسع بعض الشيء عما كان عليه في عهد عباس الأول - وإنما يعود ناظرا ثانيا أو بعبارة أخرى وكيلا لمدرسة حربية كانت بالحوض المرصود، وكان ناظرها سيف باشا أو سليمان باشا الفرنساوي - مؤسس الجيش المصري ومنظمه ، وقائد الجيوش في حروب محمد علي وإبراهيم، وصاحب التمثال في الميدان المسمى باسمه - وكان جبارا عنيدا، وقف أمام نابليون وهو ضابط فقال له: هل أنت سيف الذي حدثوني عن غطرسته؟ فأجاب: إذا كان هذا كل ما تريد أن تقوله لي عدت إلى فرقتي، ثم أعطى ظهره له ورجع إلى مكانه، فرقاه نابليون لجرأته؛ وهو الذي عمل الأعمال الحربية العظيمة في مصر، من تمرين المماليك ثم تمرين المصريين حتى حذقوا الحرب وتفوقوا على الجيش العثماني؛ هذا هو الناظر الأول الذي عين ناظره الثاني الشيخ رفاعة فاعجب لهذا الوضع الذي لا مبرر له إلا أن الشيخ رفاعة «ميرالاي».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٣٤