وبعد سنوات تخرجت هذه الدفعة الأولى، فشهدت مصر منها نموذجا لم تشهده من قبل، شباب متعلم لغة عربية ولغة أجنبية، ومثقف ثقافة أدبية - جغرافية وتاريخية. وكل ذلك تعلمه في مصر لا في أوروبا، ولذلك تلقفتهم المصالح المختلفة التي تحتاج إلى هذا النمط من الموظفين، فكنت ترى - فيما بعد - هؤلاء المتخرجين في الدفعة الأولى، يشغلون مناصب هامة مختلفة، هذا عبد الله افتدى أبو السعود أكبر رجال الترجمة في مصر، ومدرس التاريخ العام بدار العلوم، وهذا محمد أفندي عبد الرازق كاتب سر الحضرة الخديوية، وهذا شحاته عيسى أفندي قد تخصص بعد في العلوم الرياضية والحربية، وكان ناظر مدرسة أركان حرب، وهذا أحمد عبيد أفندي وكيل مجلس التجار بالمحروسة، وهذا حسن فهمي أفندي وكيل السكك الحديدية بالأقطار الصعيدية، وهذا السيد عثمان الدويني القاضي، وهذا مصطفى رضوان مدرس اللغة الفرنسية بمدرسة الطب، الخ الخ، ولو رأيتهم يوم دخلوا المدرسة بجلابيبهم وسذاجتهم ورأيتهم يوم تخرجوا بعد سنوات قلائل، لأخذ منك العجب كل مأخذ، وهتفت بحياة «الشيخ رفاعة».
وقد استفاد هو نفسه من هذه التجربة الأولى، فأخذ يصلح الأخطاء ويوسع الاختصاص وينوع العمل.
فألحقت بمدرسة الألسن مدرسة تجهيزية تعد الطلبة للدخول بها بدل أبناء المكاتب، وأدخلت اللغة الإنجليزية ضمن اللغات التي تدرس فيها، وتوسع في قبول الطلبة حتى بلغ من فيها مائة وخمسين طالبا، وأنشئت بالمدرسة فروع مختلفة، مدرسة فقه وشريعة إسلامية يدرس بها القانون الفرنساوي والفقه الإسلامي، ومدرسة محاسبة ومدرسة إدارة أفرنجية، وكل هذه المدارس يسومها ويديرها الشيخ رفاعة، ويحل فيها المصريين أساتذة محل الأوروبيين.
سبع عشرة سنة يعمل في هذه المدارس، كالنحلة لا يمل، فأمور إدارية، وقيام بترجمة كتب، وإشراف على ما يترجمه غيره، وفي كل حين يضم إليه عمل آخر جديد، فيعهد إليه الإشراف على جريدة الوقائع المصرية، والكتبخانة الإفرنجية، ومخزن عموم المدارس، ويفتش على المدارس، ويشرف على الامتحانات العامة في آخر السنة، ويحبر الخطب تخطب فيها، حتى كون جيلا جديدا هو - من غير شك - أثر مجهوده ونتيجة إخلاصه، وتغير وجه مصر من الناحية العلمية والأدبية، فجعله ما ألفه وترجمه هو وتلاميذه بين مطبوع وغير مطبوع، نحو ألفي كتاب، هي خميرة نهضتنا، وعماد ثقافتنا. يدين له رجال الأدب بما كون لهم من أمثال إبراهيم بك مرزوق الناظم الناثر المشهور، ومحمد عثمان جلال، صاحب العيون اليواقظ ومترجم قصص لافونتين، وقبول وورد جنة الخ، وصالح مجدي؛ ويدين له رجال القانون بما أخرج لهم من أمثال قدري باشا مقنن الشريعة الإسلامية بكتبه الأحوال الشخصية، وقانون العدل والإنصاف، ومرشد الحيران؛ ويدين له الرياضيون بأمثال محمد بك الشيمي وتأليفه في الحساب والهندسة، إلى ما لا يحصى من رجال الفكر في كل فرع من فروع العلم. •••
زهت له الدنيا، فهو ناجح في عمله، والولاة مقبلون عليه مقدرون لجهده، والمنح تتوالى عليه، فكلما تقدم تلاميذه ومنحوا ألقابا لم يرض أولو الأمر إلا أن يمنحوه ألقابا أعلى منهم، حتى تقدم مرة بجزء آخر من ترجمة كتاب ملطبرون إلى محمد علي باشا فمنحه رتبة ميرالاي ورفع مرتبه إلى 13000 قرش صاغ في الشهر، ومنحه 250 فدانا في بلده طهطا إحسانا بإحسان.
ولكن الدنيا لا تدوم على حال، والعيش - أبدا - حلو ومر، «والدهر ذو غلطة حينا وذو لين»؛ فهذا عباس باشا الأول يأتي فيقف حركة التعليم ويبطل المصانع والمعامل، رغبة - فيما زعم - في الاقتصاد، ولم يبق للتعليم إلا مدارس قليلة جدا، وكان فيما ألغى مدرسة الألسن والشيخ رفاعة، وإذ كان الشيخ أكبر منبع للتعليم، كان أحق الناس بالمقت، وإذ كان أحب شيء إلى الشيخ العلم والتعليم، فأبغض الناس إليه من يلغي العلم والتعليم. وجاء رجال السوء الذين يزينون للرؤساء كل ما يهوون، ويخترعون المنطق لكل ما يرغبون، فإذا قالوا أسود، أتوا إليهم بألف دليل على أنه أسود، وإذا قالوا أبيض، أتوا إليهم بألف دليل على أنه أبيض، وإذا قالوا أسود أبيض لم يعدموا ألف دليل آخر على أنه أسود أبيض. كالذي يروي أن طاهيا سأل سيده يوما: