خمسون تلميذا داخلية في مدرسة الألسن يأكلون ويشربون ويلبسون وينامون ويتعلمون على حساب الدولة، ومعهم ثلاثة مدرسين فرنسيين، ومدرسون من علماء الأزهر لتدريس اللغة العربية، ومدرسون للمواد الأخرى وعلى رأسهم الشيخ رفاعة.
ليس من السهل إنشاء مدرسة كهذه، فهي تسبب مشاكل لا تنتهي: طلبة من الأرياف «بعبلهم»، لم يروا إلا زرعهم وضرعهم وبيتهم المتواضع الذي تنام فيه الجاموس والبقر بجوارهم، وفيهم للتزوج وله أولاد، وفيهم من لم يبلغ الحلم، يدخلون فجأة هذا القصر المنيف، ويراد منهم أن يعيشوا عيشة نظامية نظيفة، ويجلسون أمام مسيو «بتيير» يتعلمون منه الفرنسية! يا لها من معجزة! والشيخ علي الفرغلي الأنصاري يخلع حذاءه ويشمر ويتوضأ، ويخلع جبنه، ويفرشها على الأرض، ويصلي الظهر في حجرة واحدة مع مسيو «ديزون».
وأحمد عبيد الطحطاوي الطالب في المدرسة يبصق على أرض الحجرة المصنوعة من «الباركية» - عقليات مختلفة في الطلبة، وعقلية متباينة في الأساتذة، ويطلب من كل هذه العناصر المتناقضة أن تكون وحدة.
لا بأس، فالشيخ رفاعة قادر على كل ذلك، وقد مر بهذه الأدوار كلها وعرف عقلياتها، فهو مستطيع مواجهتها ومعالجتها، هو ملتقى العقليات المختلفة والتقاليد الاجتماعية المتباينة.
غريب أمر الشيخ في المدرسة - رزقه الله صحة جيدة لا تمل، ورزقه قلة النوم، ورزقه الطبع الفرح المرح الذي يستعذب النكتة ويضحك لها من أعماق قلبه ويشارك في صنعها ، بكل ذلك يملأ جو المدرسة، هو أب رحيم لكل الطلبة، وأخ كريم لكل الأساتذة. هو حركة دائمة لا تتقيد بميعاد ولا جرس، يحلو له أحيانا أن يعقد درسا بعد العشاء أو في ثلث الليل الأخير فيفعل والطلبة في إقبال على التحصيل، والأساتذة في إقبال على الدرس.
فإذا نال الطلبة قسطا لا بأس به من الفرنسية والعربية مرنهم على الترجمة، ولكن لا يمرنهم بموضوعات تكتب في كراساتهم ثم تطرح، بل في كتب نافعة يترجمون منها ما استطاعوا، فإذا وقفوا في فهم جملة أو لم يستطيعوا ترجمتها رجعوا إلى الشيخ فساعدهم، ثم عرضوا ما ترجموا على أستاذ اللغة العربية يصحح لغتهم، وخاصة الشيخ محمد قطة العدوي، فقد كان ساعده الأيمن في هذه المدرسة بفضل ما منح من قدرة على التدريس بلغة سهلة، وعبارة فصيحة وقدرته الفائقة على تصحيح عبارات الطلبة فيما يترجمون. فإذا أتموا الكتاب أو الكتب روجعت ثم قدمت إلى المطبعة لتطبع، فتكون أثرا خالدا.
فأنت يا أبا السعود أفندي ترجم لنا هذا الكتاب وسمه «نظم اللآلى في السلوك، فيمن حكم فرنسا من الملوك»؛ وأنت يا خليفة أفندي محمود ترجم لنا «إتحاف ملوك الزمان في تاريخ شارلكان»، فإذا فرغت منه فترجم «المشرق في المنطق»؛ وأنت يا محمد أفندي مصطفى البياع ترجم لنا «مطالع الشموس في وقائع كرلوس» ملك السويد؛ وأنت يا أحمد أفندي عبيد ترجم لنا «الروض الأزهر في تاريخ بطرس الأكبر» وهكذا.
واسمعوا ما يقوله هذا الأخير في كتابه؛ لأنه يدل على منهج العمل: «كنت تحت إرشاد مدير مدرسة الألسن، المؤيد برعاية الملك المبدى، السيد رفاعة أفندي، فأجاد تربيتي كغيري، حتى حسن حالي وسيري، وتعلمت بإرشاده اللغتين الفرنساوية والعربية ... فبعد أن رأى في التعليم حسن حالي، واجتهادي في نيل المعالي بين أمثالي، اقتضى رأيه المؤيد، وحزمه المعضد، أن أترجم كتابا من كتب التاريخ، فاختار ملكا من ملوك الإفرنج تعلو همته على المريخ، وهو تاريخ بطرس الأكبر، الذي فضله أشهر من أن يذكر، لمؤلفه الشهير المسمى فولتير، الذي يعد بين أكابرهم أعظم حجة، وإن كان عن الأديان بعيد المحجة، فجاء التعريب بحمد الله على أحسن حال، وأتم منوال، وقد شرعت في نقله من الفرنساوية إلى العربية، مع إعانته لي في حل مشكلاته، وما عسر علي من غوامضه ومعضلاته ... وقد صرفت في ترجمته على صعوبته الهمة، وسهرت في مطالعته وفهمه الليالي المدلهمة ... مع ما يضاف إلى ذلك من كون هذا التاريخ معدودا من التواريخ السياسية المشحونة بالوقائع والحوادث البوليتيفية، ومؤلفه من كبار المتفلسفين من العيسوية، ومن عظماء فصحاء الدولة الفرنساوية، ولا أقول مع ذلك إنه خلى من الخلل، أو عري من الخطل، فإن ذلك ليس في طاقة الإنسان، الجامع في اشتقاقه حروف النسيان.