لقد نجحت فكرة محمد علي باشا في البعثات، وعاد أعضاؤها يتكلمون الفرنسية، ويجيدون ما تخصصوا له من المسائل الفنية، ولكنهم لا يكفون للنهضة المصرية الواسعة النطاق، إن مصر محتاجة لمن ينقل لها خير ما وصل إليه العلم الحديث في كل فروعه، فلا بد من تكوين طائفة كبيرة من الشبان يحذقون العربية ولغة أخرى حية، وخاصة الفرنسية، وإلى ذلك يثقفون ثقافة فنية خاصة، هذا في الرياضة، وهذا في القانون، وهذا في الجغرافيا والتاريخ؛ حتى إذا عهد إليهم ترجمة كتاب كانوا مثقفين بعلمه ولغته، وهؤلاء المتخرجون على هذا النحو يستطيعون أن يقوموا بترجمة الكتب في الفروع المختلفة، ويصح أن يكونوا معلمين في المدارس التجهيزية والخصوصية، ويصح أن يكونوا موظفين في مصالح الحكومة التي تحتاج إلى من يجيدون لغة إلى لغتهم الأصلية، فيكونوا نواة لنهضة صحيحة - إننا بالبعثة ننقل المصريين إلى أوروبا، وبهذه المدرسة ننقل علم أوروبا إلى مصر. الترجمة، الترجمة، هي أساس النهضة لمصر، وهي مبعثها من مرتدها، والفاتحة لعيونها، لقد تقدم العلم الإسلامي، بعد وضع أساس النهضة بالترجمة في العصر العباسي، فوجب أن تكون نهضتنا الحديثة مؤسسة على الترجمة الحديثة، ولهذا لقبوا محمد علي بالمأمون الثاني.
ثم في هذا العمل - إذا نجح - فائدة أخرى، وهي إيجاد عدد كبير ممن يحذق اللغات الأجنبية، فنستطيع بهم أن نستغني عن كثير من الفرنج الذين يحتلون هذه المناصب، كما نستريح من مشاكلهم.
فلنأخذ الطلبة من النابهين في المكاتب، وندرس لهم خمس سنوات أو ستا اللغات العربية والفرنسية والتركية، ومبادئ الرياضيات، والتاريخ والجغرافيا، ولنختر لهذه الدراسة خير من عندنا من فرنسيين وترك وعلماء أزهر ، ولنخلص النية في تعليم هؤلاء الطلبة، فعليهم تتوقف النهضة، وهم معقد الأمل.
هذا هو مشروع مدرسة الألسن كما تصوره الشيخ رفاعة، وكما صادق عليه محمد علي باشا، وصدر الأمر بإنشائها، وأعدت عدتها، وفتحت، وتولى نظارتها «الشيخ رفاعة».
| الشيخ رفاعة الطهطاوي (5)
من يظن أن «خمارة شبت» كما يسميها العوام، أو «فندق شبرد» كما يسميه المتعلمون اليوم هو الذي كان مدرسة الألسن، حيث كان الشيخ رفاعة ومساعدوه وتلاميذه يخمرون الخميرة الأولى للنهضة العلمية والأدبية؟
ومن يظن وهو يمر الآن على هذا النزل أن له تاريخا طويلا، وأن قد تقلبت عليه أوضاع شتى فتداول عليه الجد والهزل، واحتلته الأرستقراطية والديمقراطية، وكان أحيانا حرما آمنا لا يستطيع أن يقربه أحد، ثم كان كبرج بابل يرطن فيه بالفرنسية والإنجليزية والعربية والتركية، وتدوي في أرجائه اللغات دوي النحل، ثم أصبح مثابة لكل أرستقراطي عابر. لقد كان بيتا للأمير أحمد بك الدفتردار زوج الأميرة نازلي هانم كريمة محمد علي باشا، ثم مدرسة للألسن، ثم جعله محمد علي فندقا للإنجليز، ثم ضار فندقا لمن يشاء، وهكذا الأماكن «تشقى كما تشقى الرجال وتسعد»، فهذا البهو الفسيح كان يخطر فيه الشيخ رفاعة وحوله الطلبة يعرضون عليه مشاكلهم اللغوية، وأحيانا يخطب فيهم فيجلجل صوته، ثم كان يجلجل فيه صوت الجازبند، يرقص على نغماته مهفهفو الشبان، مع الفيد الحسان. •••
سافر الشيخ إلى الأقاليم يفتش في المكاتب عن نجباء التلاميذ يختار منهم من يصلح ليكونوا تلاميذ لمدرسة الألسن، وكانت قد انتشرت هذه المكاتب في الأرياف، وأسست على نظام جديد، فيه شيء من الثقافة المدنية كالحساب وما إليه، وسميت «مكاتب الأرياف الأميرية» وبلغ عدد طلبتها خمسة عشر ألفا، اختار «الشيخ» منهم خمسين، ولكن لوحظ أن أكثر من اختارهم من الصعيد، فهل كان هذا «محسوبية» من الشيخ وعصبية لأهل بلده وإقليمه؟ قد يكون ذلك، فالمحسوبية داء قديم، وكما يصح أن يفسر هذا التفسير السيء يصح أن يفسر تفسيرا آخر نبيلا، وهو أن إقبال الناس على تعليم أبنائهم كان ضعيفا، وكثير ممن تعلموا في ذلك العصر تعلموا بالإكراه، وكان من يؤخذ ليتعلم يودع بالصياح والعويل، كما يودع من قبل في الجندبة اليوم، وقد يقبل الناس أن يتعلم أبناؤهم في مكاتب بلادهم، أما أن يسافروا إلى مصر بعيدين عن أنظارهم ولا يعرفون عاقبة أمرهم، فهذا ما لا يقبلون؛ والشيخ رفاعة صعيدي له في قومه جاه، وله في بلده وما حوله حسن سمعة، فالناس يطمئنون أن يسلموا أولادهم له، وليس له من هذه الوجاهة في الوجه البحري ما لم في الوجه القبلي، فلعل علة كثرة الصعايدة في الدفعة الأولى من تلاميذ مدرسة الألسن، حتى إذا اطمأن الناس إلى هذه المدرسة رأينا التلاميذ من الأقاليم المختلفة لا فرق بين صعيديهم وبحريهم.