ولهذا نرى الشيخ ينزوج بنت خاله الشيخ محمد الأنصاري، ويتبحبح في المعيشة، فيكون له بيت في «المهمشة» بالقرب من شبرا، وفيه حديقة لطليفة فيها أثر الذوق الفرنسي، وفي البيت جوار وعبيد من ملك يمينه - فلم يكن أبطل الرق بعد - وفي ذلك أثر للذوق الشرقي.
عمل في مدرسة الطب ما شاء الله أن يعمل، وأحس الطلبة روحا جديدا في المدرسة، ورقيا في لغتهم اقتربوا به من أساتذتهم، وقرب إليه بعض خيار الطلبة يشجعهم ويمرنهم ويعدهم للبعثة، وكان من هؤلاء محمد علي باشا البقلي - جراح مصر الشهير - فكان يقبل يد الشيخ كلما رآه، ويعد نفسه صنيعة من صنائعه، فلولاه ما نبغ، ولولاه ما كان مبعوثا؛ بل أخذ الشيخ في هذه الفترة يضع الرسائل في الطب يساعد بها الطلبة ويراجع الكتب العربية القديمة من قانون ابن سينا وتذكره داود لوضع المصطلحات الطبية.
ولكن لم يلبت بهذه المدرسة إلا نحو سنتين، ثم صدر الأمر بنقله من مدرسة الطب بأبي زعبل إلى مدرسة «الطوبجية» بطره، وكان ناظرها رجلا أسبانيا اسمه «ساكورا» بك، واسمه في الأصل «الدون أنطونيو ده سيجويرا» عربه الشيخ رفاعة إلى «ساكورا»، وكان في الأصل ضابطا برتبة كولونيل في المدفعية، عهد إليه تأسيس هذه المدرسة وتنظيمها لتخريج ضباط للجيش وللبحرية، يؤخذ طلبتها من المكاتب، ويتعلمون بها الفنون العسكرية والحساب والجبر والهندسة ولغة أجنبية.
فعين الشيخ رفاعة ليترجم الكتب العسكرية والرياضية ، بعد أن كان يترجم الكتب الطبية، وطلب إليه أن يترجم فن إحداث الجراح، بدل ما كان يترجم فن تضميد الجراح - فليكن - ها هو الشيخ يعكف على ترجمة كتاب في الهندسة يدرس في مدرسة «سانسير» بفرنسا، وها هو يقلب أيضا الكتب القديمة في الهندسة يستخرج مصطلحاتها، وها هي مطبعة بولاق تطبعها وتوزعها على طلبة مدرسة الطوبجية.
ولكن الشيخ لم يعجبه مسيوبا كورا بك، ولم تحسن العلاقة بينهما. وتأتي سنة 1250ه، فيحدث في مصر طاعون شنيع، ويكثر الموتى وتضطرب الأحوال في القاهرة، ويغلو السعر حتى تكون كيلة القمح بتسعة قروش، فيسافر الشيخ بلا إذن إلى بلده طهطا.
مكث في بلده ستين يوما، هل استراح فيها وسكن إلى أهله وأهل بلده بعد غيبة طويلة؟ هل فكر في الطاعون وكثرة الموتى؟ هل صده عن العمل تضايقه من مسيوسا كورا؟ لا شيء من ذلك، ها هو كتاب في الجغرافيا أعجب بقراءته لما كان في باريس، وأعيدت منه طبعة جديدة أدخلت عليه تعديلات جديدة، وهو كتاب ضخم واسع مؤلفه «ملطبرون»
Malte-Brun
دنماركي الأصل، نفي من بلاده فأقام في باريس، فعكف على دراسة الجغرافيا طول حياته، واعتصر منها مؤلفا في ستة أجزاء ضخام، أقام في تأليفه تسعة عشر عاما، وفيه أرقى المعلومات وأوسعها عن العالم (في عصره) لو ترجم إلى العربية لوسع من آفاق أهل العربية وفتح عيونهم للعالم.
في هذه الستين يوما دأب على ترجمة الجزء الأول منه، وعاد به في يده، وقابل محمد علي باشا وقدمه إليه وشرح له قيمته، فشكره ومنحه منحة، وأنعم عليه بلقب صاغ، إذ كانت كل الرتب عسكرية، فأصبح «الصاغ رفاعة»؛ وشكا له من عمل في مدرسة الطوبجية ومن مسيوسا كورا، وقدم إليه مشروعا لمدرسة الألسن وصف فيه برنامجها وما يصح أن تؤديه لمصر من الخدمة إذا أسست على أساس صحيح، وأنه هو أنفع لهذا العمل والإشراف عليه، فكان ذلك، ونقل من مدرسة الطوبجية إلى مدرسة الألسن، يؤسسها وينظمها ويتولى الإشراف عليها. وهنا أعطى القوس باريها وتجلت عظمته ومواهبه فيها.
ما مدرسة الألسن التي خلقها الشيخ رفاعة، وما الغرض منها؟؟
لقد عرف الشيخ رفاعة في باريس مدرسة اللغات الشرقية، أسست لدراسة لغات الاستشراق، وكان يسميها في كتابته مدرسة الألسن، لما ذاع في العربية من اللسان العربي واللسان العجمي، ولما جرى على ألسنة العامة: «يتكلم بالسبعة ألسن». ولكن موقف مصر في اللغات غير موقف فرنسا، فوجب أن تؤسس في مصر مدرسة للألسن تواجه مطالبها وتناسب موقعها.