تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خمس سنوات في فرنسا جعلت منه إنسانا آخر، ولكن كم من مئات ومن ألوف قضوا أعواما وأعواما في انجلترا وفرنسا وألمانيا وعادوا نكبة على أوطانهم، ولم يفيدوها حتى بكف شرورهم عنها، وصدق الأثر: «الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام». ولو كان لنا في كل مجموعة من البعثة مبعوث مثل رفاعة لتغير وجه مصر. •••

كان من العادات الظريفة التي اندثرت أن يجتمع الجم الغفير من العلماء والأمراء والأغنياء والتجار في ليلة من ليالي رمضان في بيت السادات في «بركة الفيل»، ويجلس الشريف الحسيب النسيب وشيخ السادات مجلسه الفخم الوقور يمنح الرتب والألقاب لمن شاء من الزوار، ولكن ليست رتبة «بك» ولا «باشا» ولا نحو ذلك، إنما هي ألقاب وكنى يستمدها من الوحي الصوفي والإلهام اللدنى، فهذا أبو الأنوار، وهذا أبو الوفاء، وهذا أبو البركات، وهذا أبو الخير؛ ففي ليلة من هذه الليالي الرمضانية كان من الزوار شيخنا الشيخ رفاعة، فتفرس فيه شيخ السادات، ونظر إليه بقلبه ، ثم قال له: «اذهب فأنت أبو العزم»، وكذلك كان، وكانت كنية موفقة، فأبرز صفات «الشيخ رفاعة» عزمه. •••

عاد الشيخ رفاعة إلى مصر سنة 1247ه، وقد عرفه محمد علي باشا بما كتبه عنه مدير البعثة من تقارير، وعرفة إبراهيم باشا حين قابله في الإسكندرية، لأنه سمع به حين زيارته باريس، ولأنه كان يعرف أسرته في طهطا، وقد عرف ما نكبت به من انتزاع ما في يدها من أطيان، وقطع ما يصرف لها من غلال، فأراد أن يكفر عن ذلك، فمنحه 36 فدانا في الخانكة (الخانقاه)، فكان ذلك مبدأ ثروته ونعمته - أرض لطيفة قريبة من القاهرة يستطيع الشيخ أن يديرها ويرفه عن نفسه فيها.

عينه محمد علي باشا مترجما في مدرسة الطب، وكانت بأبي زعبل، وكان ناظرها كلوت بك، وكانت محاولة أولية لمدرسة الطب أنشئت بجانب المستشفى هناك، وكان يؤخذ تلاميذها من المكاتب ومن الأزهر، لا يعرفون لغة، ولا يعرفون إلا القراءة والكتابة وقليلا من الحساب الأولي، وكان المدرسون الذين يدرسون الطب إما فرنسيين أو إيطاليين، فكيف يكون التفاهم بين الطلبة والمدرسين؟ لا بد من مترجمين يعرفون العربية والفرنسية والإيطالية، فيلقي الأساتذة الدروس بلغتهم والطلبة سكوت لا يفهمون شيئا، فيترجمه المترجمون إلى العربية، ثم يشرح المترجمون للأساتذة ما ترجموا ليثق الأساتذة من صحة الترجمة، ثم يمليه المترجمون على الطلبة بالعربية، ثم يحفظه الطلبة، ومن أظهر التقدم من الطلبة واستطاع أن يفهم من الأساتذة بعض الشيء جعل مشرفا على الطلبة الضعاف مساعدا للأستاذ والمترجم.

وهؤلاء المترجمون أيضا مشكلة أخرى، فهم طائفة من السوريين أو الأرمن أو نحوهم مثل مسيو رفاييل ومسيو عنحوري، قد يجيدون اللغة الأجنبية، ولا يجيدون العربية؛ فاقتضى الأمر أن يؤتى ببعض علماء الأزهر لتصحيح ما يترجمه المترجمون، وسبب وجود علماء الأزهر مشكلة ثالثة، وهي أن التشريح حرام، وهو يعمل في السر، ويخشى أن يطلع عليه علماء الأزهر فيفضحوا المدرسة ويولبوا عليها الرأي العام، وليس لهذه المشكلة من علاج إلا أن يختار من الأزهر الشيوخ المرنون، كالشيخ الدسوقي والشيخ الهراوي، ويرجون ألا يفشوا السر.

هذا هو الوضع للمدرسة أيام عين بها «الشيخ رفاعة» مترجما، فكان أول مترجم مصري يجيد العربية والفرنسية وله إلمام بالطب، وقد عين مرءوسا للمسيو عنحوري، فلما رأى منه (مسيو عنحوري) هذه المقدرة تخلى له عن مكانه.

وعهد إلى الشيخ رفاعة إلى جانب الترجمة أن يعلم بعض الطلبة الإعداديين اللغة الفرنسية والجغرافيا، وصدر الأمر بأن يعطي مرتبا على ذلك 1223 قرشا في الشهر، مع إضافات، كبدل انتقال ونحو ذلك. مرتب ضخم في ذلك العصر، فاثنا عشر جنيها كانت قدرتها الشرائية أكثر من ستين أو سبعين جنيها في عصرنا، حتى قبل أن يرخص ورق النقد.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٢٩