صاحب البار :
ليس بيع الرجال في بلادنا، إنما ذلك في بلادكم.
الشيخ رفاعة :
وهل هذا رجل؟ وهل من يفعل بنفسه ذلك آدمي؟
وضحك الجميع وانصرف الشيخ. •••
في آخر السنوات الخمس عقد للشيخ الامتحان النهائي، حضره جمهرة من الأساتذة الفرنسيين، ومعهم مسيو جومار؛ وتقدم لهم الشيخ رفاعة ومعه اثنا عشر كتابا أو رسالة ترجمها من الفرنسية إلى العربية أثناء إقامته، ففحصها الممتحنون؛ ثم قدمت له كتب عربية طلب منه أن يقرأ صفحاتها ويترجمها إلى الفرنسية شفاها وعلى البديهة؛ وأحضرت كتب مترجمة من العربية إلى الفرنسية فأعطى الفرنسيون الكتب الفرنسية والشيخ رفاعة الكتاب العربي وطلب إليه أن يقرأها في نفسه وينطق بترجمتها بالفرنسية، وقد أعجبوا بتفوقه، ولكن أخذوا عليه أن نطقه الفرنسي لم يصقل الصقل الكافي، وأنه في الترجمة أحيانا يعبر عن الجملة الواحدة الفرنسية بجمل كثيرة عربية، وربما ترجم الكلمة بجملة فرارا من المصطلحات، وربما غير مجازا فرنسيا بمجاز آخر عربي، وأنه يراعي روح المعنى أكثر مما يراعي حرفية اللفظ، ونصحوه أن يراعي ذلك في المستقبل، وأعلنوا نجاحه في اغتباط وفرح، وكتبوا تقريرا مفصلا لمحمد علي باشا يثنون عليه، ويبينون مدى نجاحه في كل ما عهد إليه، إلا الرسم، فقد تصلبت أصابعه ولم يرزق الخفة في يده، ويتنبأون له بمستقبل باهر في خدمة أمته بما يؤلف ويترجم.
إلى هنا كان الشيخ قد أتم مرحلة الاستعداد، وفارق باريس إلى مصر ليحمل عبئه ويؤدي رسالته، وفي صدره هوى حبيبتيه مصر وباريس فيقول:
لئن طلقت باريسا ثلاثا
فما هذا لغير وصال مصر
فكل منهما عندي عروس
ولكن مصر ليست بنت كفر
| الشيخ رفاعة الطهطاوي (4)
شتان بين الشيخ راحلا إلى باريس والشيخ عائدا من باريس، كان معصوب العينين، فعاد مفتوح العينين؛ كان يرى أن مصر أم الدنيا. فإذا هو يراها ذيل الدنيا، ولكن يجب العمل لتكون رأسها، كانت دنياه هي الأزهر وحي الأزهر، فإذا دنياه الدنيا كلها في حاضرها وغابرها ومستقبلها، بما شاهد وبما قرأ من جغرافيا وتاريخ وسياسة واجتماع؛ كانت غايته أن يكون عالما، ومعنى العالم في نظره أن يتقن النحو والبلاغة والأصول، فإن تظرف فحفظ شيء من الشعر؛ وكان مثله الأعلى الشيخ الفضالي والشيخ القويسني، وأن يجلس على مقعد بجوار عمود من أعمدة الأزهر وحوله الطلبة الكثيرون يشرح لهم أغمض الجمل وأعقد التراكيب، فإذا انتهى أقبل عليه الطلبة يتخاطفون يده لتقبيلها، فإذا هو يرى في فرنسا أن كلمة «العالم» المطلق لا مدلول لها، إنما هناك عالم جغرافيا وعالم تاريخ وهكذا، وأن شيوخ الأزهر لم يعودوا مثله الأعلى، فإن علم الأزهر نقطة من بحر العلم، وطريقة تعليمهم نقطة سوداء في مناهج التعليم، وليس مثله الأعلى أن يجلس بجوار عمود، ولكن مثله الأعلى ورسالته الكبرى أن يغزو الجهل والأمية في مصر كلها، وأن يخلق فيها حركة تعليم تقلب أوضاعها وتنير أذهانها، وتبصرها بالدنيا وتفهمها أين هم لأنفسهم وأين هم من الأمم الأخرى - وكان يرى الشيوخ يتملقون الولاة والأمراء تملقا رخيصا ليستدروا منهم كيس نقود أو خلعة سنية، فصار يرى أنه لا يستطيع أن يكف عن المدح، وإلا فسد برنامجه، فليمدح لمشروع جليل، ولإنشاء مدرسة، ولعمل خيري، ولرسم الطريق للأمراء ليتوجهوا بأعمالهم نحو الخير العام.
وأخيرا كان يحس من نفسه الضعة إذا جالس واليا وأميرا أو عظيما، وكان يحس النقص إذا جلس في مجلس يتكلم فيه عن شؤون الدنيا، فارتفعت نفسه، فمن فخر بلغة فهو يملك ناصية الفرنسية، ومن فخر بعلم دنيوي فليس يمكن أن يباريه، ومن فخر بمعرفة الدنيا وشؤونها فأين هو منه وقد قرأ جغرافية العالم وسياسته، وجالس أذكى الناس عقلا وأرقاهم مدنية، وعاش في أوساط قد لا يبلغها كبير. وهكذا سمت نفسه وشعر بقوته في غير كبر ولا غرور، يرتفع عن بني قومه ولكن يأخذ بيدهم، ويحس قوته فيصرفها في نفع أمته، ويحذق فهم التيارات السياسية في مصر، وعقلية الشعب وعقلية الولاة، فيعرف كيف يتجه بسفينته.