وضعت برامج مختلفة لتعليم كل طالب حسب دراسته الأولى، والغرض الذي من أجله أرسل. وكان البرنامج الذي وضع للشيخ رفاعة شاقا غريبا، لأنه أعد للترجمة من الفرنسية إلى العربية، وعليه أن يعد لترجمة الكتب في العلوم المختلفة، في الجغرافيا والتاريخ والطب والهندسة والتعاليم العسكرية، وهو لا يستطيع الترجمة في علم من العلوم إلا إذا ثقف فيه، فيجب أن يثقف هذه الثقافات المختلفة ليستطيع التعريب فيها، لذلك كان برنامجه الذي ألزم به ما يأتي:
يجب أن يتعلم الفرنسية، نحوها وصرفها وإملاءها قراءة وكتابة، وقد استمر في ذلك ثلاث سنين، وفي أثناء تلك السنوات يقرأ كتبا معينة في فلسفة اليونان والتاريخ العام.
وعين له كتاب في الحساب يقرؤه ويعرف مصطلحاته وكذلك في الهندسة.
واختير له كتاب واسع في الجغرافيا التاريخية والطبيعية والرياضية والسياسية، قرأه على أستاذ فرنسي.
ويتمرن في كل ذلك على الترجمة من الفرنسية إلى العربية.
ويقرأ كتابا في المنطق الفرنسي، وكتابا في المعادن، وكتبا مختلفة في الأدب الفرنسي، فيقرأ لفولتير، وراسين، وروسو.
ويقرأ في السياسة، والحقوق الطبيعية، وروح الشرائع لمنتسكيو.
ويقرأ على الأستاذ كتابا في علم الطبيعة وكتابا في فن العسكرية.
ويقرأ المجلات العلمية والجرائد السياسية اليومية.
وهكذا كلف كثيرا، وقرأ هو لنفسه كثيرا، وشغف بالكتب السياسية والاجتماعية يقرأ منها كثيرا، إذ رآها تفتح أمامه أبوابا واسعة.
وكان مسيو جومار مدير البعثة يحبه ويعطف عليه، لما رأى من جده ونبوغه، فأعانه وشجعه وسهل له مصاعبه.
ثم استفاد فائدة أخرى كان لها أثر كبير في حياته، ذلك أنه صادف في باريس أيام وجوده بها علمين من أعلام الاستشراق، الأستاذ سلفستر ده سلس والأستاذ كوزين ده برسيفال؛ فأما الأول فمدير مدرسة اللغات الشرقية، واسع الاطلاع في اللغة العربية والفارسية، نشر كتبا عربية كثيرة؛ وألف شرح مقامات الحريري المتداول بين أيدينا، والمطبوع في مصر مرارا، وألف في النحو العربي على طريقة جديدة، وألف كتاب «الأنيس المفيد، للطالب المستفيد» المطبوع في مصر من غير ذكر لمؤلفه الخ؛ وكذلك الأستاذ كوزين نشر كثيرا، وترجم من العربية «صقلية تحت حكم المسلمين» الخ. وكلاهما كان بحاثة، صادقهما الشيخ رفاعة واستفاد منهما منهج المستشرقين في البحث، واستفادا منه بعض معارفه في اللغة العربية، فلما عاد إلى مصر قلدهما في بعض شؤونهما كما سيأتي.
كان عليه أن يتم هذا البرنامج كله في خمس سنوات، وما كان يستطيع ذلك لولا همته وصدق عزمه واتكاؤه على نفسه، فقد أفرط في المطالعة بالليل حتى ضعفت عينه اليسرى، واحتاج إلى تطبيبها، ونصحه الطبيب ألا يطالع فأبى؛ وصرف أكثر مرتبه الخاص في شراء الكتب التي أغرم بها، وفي الاستعانة بمعلمين فرنسيين غير الذين رتبتهم له الدولة.
فإذا مل القراءة والدرس، استجم بنوع من الدراسة آخر لا يقل عن القراءة أهمية، وهو دراسة الحالة الاجتماعية في فرنسا، ومدى تقدمها وأسباب نهضتها، ما قوانينها، ما عاداتها، ما تجارتها، ما وسائل اعتناء أهلها بصحتهم، كيف يعطفون على مرضاهم؟ ما حالاتهم الاقتصادية؟ ما علومهم وفنونهم ونظام التدريس عندهم؟ ما هي المؤسسات العلمية غير المدارس، كالمكتبات والأكاديميات؟ حتى الملاهي والتمثيل وصالات الرقص بجميع أنواعها - كل هذا درسه بأمعان، وقيده بالكتابة، واختزنه في ذهنه، وأجاله في عقله على أساس ما يمكن أن يصنع من ذلك في مصر.
وهو في كل ذلك محتفظ بدينه، محتفظ «بعمته وقفطانه» يهرول بهما في شوارع باريس على كثرة ما لقي في ذلك من عناء، فكلما مشي لفت الأنظار إليه بغرابة شكله وطرافة زيه؛ ولا ينسى يوما حكاية ظريفة وقعت له فتصرف فيها تصرفا ظريفا مثلها، إذ كان يسير ليلة في زقاق في باريس، فمر بحانة لعبت الخمر بمن فيها من رجال ونساء، وصادف مرور الشيخ خروجهم وهم يصيحون «الشراب الشراب»، ولاحت التفاتة من أحدهم فرأى الشيخ يسير في «جبته وقفطانه» فصاح به: يا تركي يا تركي، وقبض على ثيابه، فجذبه الشيخ رفاعة بلطف وساقه إلى «بار» كان بالقرب منه، ودخل به وقال لصاحب البار: «من فضلك أعطني بهذا كأسا».