تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشيء آخر لم يعجبه أبدا، وهو أحوال النساء الباريسيات ... والرجال عندهم عبيد النساء، فأين هذا من الشرق الجميل حيث النساء عبيد الرجال (على أيامه)، وهؤلاء النساء هفواتهن كثيرة، وقلة عفافهن واضحة، وغيرة الرجال عندهم ضعيفة، وخاصة في الطبقات العليا والسفلى، «وقد جرب في بلاد فرنسا أن العفة تستولي على قلوب النساء المنسبوبات إلى الرتبة الوسطى من النساء، دون نساء الأعيان والرعاع، فنساء هاتين المرتبتين تقع عليهن الشبهة» الخ، فأين هذا مما عندنا في الصعيد، حيث الغيرة عند الرجل تبلغ حد الجنون، وويل لمن سمع عنها قالة سوء أو حامت حولها شبهة.

ولكن - والحق يقال - في الباريسيين فضيلة، وهي عدم تغزلهم في المذكر، «فمن محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبي تغزل الجنس في الجنس، فلا يحسن في اللغة الفرنسية قول الرجل عشقت غلاما، فإن هذا يكون من الكلام المنبوذ، ولذلك إذا ترجم أحدهم كتابا من كتبنا يقلب الكلام إلى وجه آخر، فيقول في ترجمة تلك الجملة عشقت غلامة أو ذاتا ليتخلص من ذلك، فإنهم يرون هذا من فساد الأخلاق، والحق معهم، وذلك أن أحد الجنسين له في غير جنسه خاصة من الخواص يميل بها إليه، كخاصة المغناطيس في جذب الحديد - مثلا - وكخاصة الكهرباء في جذب الأشياء، ونحو ذلك، فإذا اتحد الجنس انعدمت الخاصة، وخرج عن الحالة الطبيعية».

هذه بعض نظرات «الشيخ» إلى باريس أول ما نظر، وظلت هذه النظرات ثابتة عنده، لم تتغير إلا قليلا، بل كانت الأيام تزيدها قوة؛ ولقد أراد يوما أن يستوثق من آرائه هذه فيعرضها ويسمع نقدها، فعرضها على اثنين من أصدقائه الفرنسيين، فأما أحدهما فنقدها بأن الشيخ نظر إلى بعض المسائل متأثرا بأوهام المسلمين، ولعله يشير إلى نقد الشيخ رفاعة لعقيدة الفرنسيين في القضاء والقدر، وإنكار المعجزات، كما نقد نظرته إلى النساء الفرنسيات، وتعميمه الحكم على نساء فرنسا كلها بما شاهده من بعض نساء باريس، وأما الثاني فكان ظريفا رقيقا، وقال: لا يهمني ما حكمت ولكن يهمني ما عتقدت، فما دمت تكتب ما تعتقد فلا ضرر، وإنما الضرر أن تشايع غيرك، ويحملك الحياء والخجل على أن تكتب أو تقول ما لا تعتقد. •••

فكرتان تعارضتا في ذهن محمد علي باشا ورجاله، وكل فكرة مزاياها وعيوبها، أمن الخير أن يسكن هؤلاء الطلبة المبعوثون في بيت واحد وعليهم مشرفون، أو يفرقوا في «البانسيونات» الفرنسية؟ مزية الفكرة الأولى أنها أحفظ للطلبة من العبث، وأنها أحرى أن تجعل الطلبة محافظين على عوائدهم المصرية، فإذا رجعوا إلى بلادهم لم يكونوا قد بعدوا عنها كثيرا فيفيدونها بعلمهم، ويندمجون فيها بسلوكهم، وعيبها أن الطلبة المصريين متى اجتمعوا تكلموا بالعربية، فلم يتقدموا في الفرنسية، وضعف علمهم بأحوال الفرنسيين وشؤونهم، مما قد يكون فيه فائدة لأمتهم؛ ومزية الفكرة الثانية طلاقة ألسنتهم وكثرة استفادتهم وتجاربهم، وعيبها تعرضهم لخطر التهتك، والانغماس في الشهوات، وتطبعهم بطابع الفرنسيين، وبعدهم بذلك عن أهلهم، وتقليد الفرنسيين في أحاديث السياسة والطعن في الحكومات، مما يسبب مشاكل لمصر في المستقبل.

حار بين الفكرتين، فاختار الأولى أولا، فنزل المبعوثون أول الأمر بيتا سمي «بيت الأفندية»، لا يخرجون منه ليلا ولا نهارا إلا يوم الأحد. وإذا خرجوا فبإذن من الضابط للبواب ، ويأتي المعلمون الفرنسيون إلى البيت ليعلموا الطللبة، كل طائفة متماثلة تدرس معا، وتنفق عليهم الأموال عن سعة حتى كان يعدهم الفرنسيون من الأغنياء.

ثم لما تجلت عيوب هذه الطريقة وأحسوا عدم تقدم الطلبة في اللغة والعلم لجئوا إلى الطريقة الثانية، فوزع الطلبة على «البانسيونات» وفرقوا على المدارس كل وما يناسبه، وأطلق لهم شيء من الحرية ولكن في نظام دقيق؛ فيخرجون يوم الأحد، ويوم الخميس بعد الدروس، وبعض الأيام بعد العشاء، ولكن لا بد أن يعودوا إلى مساكنهم قبل الساعة التاسعة في الصيف، والثامنة في الشتاء؛ وفي كل شهر يمتحنون ويكتب تقرير عن كل طالب، ومقدار ما حصله ومدى تقدمه، ويكافأ من ظهرت نجابته بهدية من الكتب أو بعض الأدوات المدرسية؛ وهم ممنوعون منعا باتا أن يدوروا في الأزقة - وإذا عصى أحد هذه الأوامر حبس وعذب، وإذا أتى بأفعال غير لائقة أو شهد المعلمون أنه لا يرجى تقدمه أعيد - حالا - إلى مصر، والكل في ذلك سواء لا يستثنى أحد. ومحمد علي باشا بنفسه يطلع على التقارير الواردة، ويتصرف فيها بما يرى، ويرسل دائما إلى الطلبة يشجع المجد وينذر الكسول، ويراقب كل صغير وكبير. وفي آخر كل عام تأتي التقارير الوافية عن كل طالب، ويمرن كل طالب أثناء تعلمه على التأليف أو الترجمة، ويرسل ذلك لمصر للاطلاع عليه. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٢٦