قد قلت لما بدا والكاس في يده
وجوهر الخمر فيها شبه خديه
حسبي نزاهة طرفي في محاسنه
ونشوتي من معاني سحر عينيه
وفي المعنى الثالث يقول:
مذجاه يضرب بالناقوس قلت له:
من علم الظبي ضربا بالنواقيس
وقلت للنفس أي الضرب يؤلمكي
ضرب النواقيس أم ضرب النوى - قيسي
ثلاثة وثلاثون يوما قضاها «الشيخ رفاعة» في البحر بين الإسكندرية ومرسيليا، منها خمسة أيام وقوفا في صقلية، ويوم في نابلي، فكم نجح الإنسان أثناء قرن واحد في السرعة ولما يقنع.
| الشيخ رفاعة الطهطاوي (3)
رؤيتك أمة جديدة فتح عين لك جديدة، فالحكم على المسائل الاجتماعية يعتمد أكثر ما يعتمد على المقارنة، ولا مقارنة إذا اقتصر الإنسان على النظر إلى أمته وشؤونها، فنشأته فيها واعتياده من صغره رؤية مظاهرها يضعف قوة النقد عنده، ويعوقه عن إدراك مزاياها وعيوبها، فإذا هو رأى أمة أو أمما غير أمته ازداد علما، وازداد قوة على النقد، وكان أقرب إلى صحة الحكم.
ومن أنفع هذا الباب النظرات الأولى للراحل، فهي تحصر وجوه الخلاف قبل أن يألفها ويعتادها، تكون مادة صالحة له إذا هو قيدها وتعمق دراستها. فكم من الطريف أن نصغى إلى الأوروبي الذي يزور مصر لأول مرة ويحدثنا عن أثرها في نفسه، كذلك من الطريف أن نسمع مصريا قحضا رأى أوروبا للمرة الأولى وتحدث عما لفت نظره وأثار عواطفه.
فإذا رأينا الشيخ رفاعة الذي نشأ في صميم الصعيد وشب في صميم القاهرة، وتعلم في صميم الأزهر يتحدث عن الباريسيين والباريسيات كان بلا شك حديثا عجبا.
ما الذي أعجبه في فرنسا وما الذي كرهه، وما الذي ود أن ينقل من ذلك إلى مصر، وما الذي حمد الله أن لا ينقل، ما الذي أحسه عند المقارنة بين مصر وفرنسا ووجوه ضعف مصر وقوتها؟ أصبح ذهنه مشغولا دائما بكلمات خمس: مصر، الغرب، الإسلام، فرنسا، النصرانية، استخدمها في كل نظراته وأحكامه.
أعجبه من الباريسيين ذكؤاهم ودقة فهمهم، وسعة اطلاعهم وميلهم الشديد لمعرفة ما جهلوا، وقلة الأميين بينهم، ورغبتهم في الابتكار «فكل صاحب فن يحب أن يبتدع في فنه شيئا لم يسبق إليه، أو يكمل ما ابتدعه غيره» ثم حب الاستطلاع، «فهم يحبون الرحلة يستطلعون فيها الناس والبلاد، ويحبون الغرباء ليستمعوا منهم أحوال بلادهم وعوائد أهلهم»؛ ثم حب التجديد، «فهم يكرهون الاستمرار على حال واحد في الملبس، وفي الملاهي، وفي التفكير، وفي السياسة». وأعجب ما أعجبه منهم حريتهم في تفكيرهم والتصريح بآرائهم في حكومتهم، والجهر بما يعتقدون في الدين والعلم والسياسة، كما أعجبه جدا المنشآت العامة لنفع الفقراء والمرضى من مستشفيات وملاجئ.
وهذه صفات رآها فتمناها لبلاده، ولكن أين له الحرية التي يتمتع بها أهل باريس لينقد قومه وحكومته ويقول في صراحة ما يتمنى؟ إنما هو يلوح ويلمح.
وعجب جدا من خفتهم وطيشهم، وشدة انفعالهم، فسرعان ما ينتقلون من فرح إلى حزن، ومن حزن إلى فرح، وقد تربى هو تربية وقار وحشمة، ورأى شيوخه في الأزهر جادين دائما، يمشون متئدين وعليهم سيما الرزانة، ويجلسون كأن على رءوسهم الطير، ويتحركون بحساب، ويخطون الخطوة بحساب، فما هذه الخفة في الحركة عند الباريسيين، وكيف يجري هذا الرجل صاحب المقام الرفيع والمركز الاجتماعي الخطير في الشارع كالأطفال، ليدرك موعدا أو يلحق عربة؟ وكيف يفرطون - حتى رجالهم وعجائزهم - في اللهو واللعب، ويصرفون أموالهم في حظوظ نفوسهم، ويسرفون في ذلك على أنفسهم غاية السرف؟ إنهم لخلق عجيب، ولكنهم مع ذلك أهل جد لا يملون العمل، وسواء في ذلك غنيهم وفقيرهم.
لم تعجب الشيخ ماديتهم، فهم بخلاء يحبون المال حبا جما، فأين هذا من كرم العرب! وأين هذا من كرم «الصعايدة»؟ ومن مادية الفرنسيين مواساتهم بأقوالهم وأفعالهم لا بأموالهم، وهم لا يهبون ولا يعيرون إلا إذا وثقوا بالمكافأة، ثم هم يحكمون العقل حيث يحكم الدين، فهم أسوأ حالا من المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وهو لا يؤمنون بالمعجزات ولا خوارق العادات، ويؤمنون بالسببية والمسببية إلى أقصى حد؛ فالأمة ترقى بالعدل وتضعف بالظلم، وللعمارة أسباب تنتجها لا محالة، وللخراب أسباب تنتجه لا محالة، ويعتقدون - والعياذ بالله - أن عقول حكمائهم أعظم من عقول أنبيائهم، وأكثرهم لا يؤمن بقضاء ولا قدر - لا. لا. هذا كله لا يعجبي.