تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مما يعجب حقا حساسية «الشيخ رفاعة» بالنظافة، وتقويمه قيمتها الحقة، والتفاته الشديد الدائم إلى هذه الناحية - ولو خصصت الأمة نصف ميزانيتها أو أكثر لتأسيس الحياة الاجتماعية في مصر على أساس النظافة لعقلت. •••

هذا «الشيخ رفاعة» في السفينة الفرنسية «بعمته وجبته وقفطانه»، يتوضأ ويصلي إماما ببعض الطلبة المصريين، ويستظرف الشبان الفرنسيون هذا المنظر، فيجتمعون لمشاهدته؛ ويرون «الشيخ رفاعة» قسيسا يصلي بالمسلمين ويؤمهم، فيحترمونه احترام قسيسهم، ويمنحونه قدرا من إجلالهم، ويخصونه بمزيد عنايتهم.

ويزيدهم استظرافا له أنهم يرونه عاكفا على دراسة اللغة الفرنسية، بيده أجرومية فرنسية يقرؤها كما يقرأ كتاب الأجرومية في النحو العربي، ويحفظ ويمعن في الحفظ، وينطق ببعض كلمات تستخرج ضحك الفرنسيين من أعماق صدورهم، وأصعب شيء على «الشيخ» حرف U الفرنسية فهي ثقيلة النطق على لسانه، فلا هي بالواو التي يعرفها، ولا هي بالياء التي يألفها، ولكنها وسط عجيب بين الواو والياء، يستصعبها فيتجمع لها قبل النطق بها، وإذا وقع نظره عليها من بعيد وهو يقرأ أدرك علامة الخطر. ولقد أذكرني ذلك حكاية ظريفة، فقد كنت أتبادل مع سيدة إنجليزية جميلة تعلم الإنجليزية والعربية، وكان لها عينان تشعان الثقة والإخلاص والأمانة، وكان يصعب عليها النطق بالعين، فكانت تقول: «إن عينكم هذه تقتلني»، فأقول في نفسي: «وعينكم أيضا تقتلني». •••

سارت السفينة بالشيخ أربعة أيام، والبحر هادئ والجو جميل، وطمع الشيخ أن تكون رحلته كلها من هذا القبيل، ولكن ما هو إلا أن عصفت الرياح، واضطربت السفينة، وأخذتها أمواج كالجبال تعلو إلى أعلى القمة وتهبط في لمحة إلى أسفل القاع، ولعبت نفوس الراكبين لعب الأمواج، فثارت ثورتها وهاجت هياجها. قال الشيخ: «فلازم أكثرنا الأرض، وتوسل جميعنا بالشفيع يوم العرض».

بعد مرور خمسة عشر يوما، والبحر يهدأ ويهيج، والسفينة تسير وتلعب، والشيخ يصلي ويقرأ الأجرومية الفرنسية، وقفت السفينة على جزيرة صقلية (سيسليا)، ففرحوا بمنظر الأرض الباسم بعد منظر البحر العابس، وتذكر الشيخ قول الشاعر:

أنل قدمي ظهر الأرض إني

رأيت الأرض أثبت منك ظهرا

ولكن أهل صقلية لم ينيلوه ظهر الأرض، ولم يمكنوه من النزول، إذ كانوا لا يسمحون بدخول البلد إلا بعد الحجر الصحي خوف الوباء، وإنما كانوا يسمحون بالتعامل بالبيع والشراء، على شرط أن النقود التي يأخذها البائعون تغمس في إناء مملوء بالخل، حتى لا تنتقل العدوى.

وظلت السفينة خمسة أيام تتزود حاجتها من ماء وفاكهة وخضر.

لقد كان «الشيخ رفاعة» ظريفا حقا، أتدري ماذا أعجبه من كل ما حوله؟ صوت النواقيس ورناتها الموسيقية، وكانت الأيام أيام عيد، والنواقيس تدق فيدق لها قلب الشيخ. لو غيره سمعها من رجال الدين المتزمتين لاستعاذ بالله من صوتها وحوقل، وسمع منها صوتا من أصوات الكفر يقبض صدره ويعتم نفسه، ولكن شيخنا رحب الصدر، يتعشق الجمال حيث كان في عفة ودين.

ففي إحدى هذه الليالي الخمس دعا صديقا من أصدقائه من أعضاء البعثة، ممن يعرف فيه الظرف والأدب، واقترح عليه أن يشتركا في إنشاء مقامة كمقامة البديع والحريري، ولكن ليس موضوعها التكدي ونصب الحيلة لاقتناص مال، وإما موضوعها ثلاثة أشياء، الأول حوار حول أن «الطبيعة السليمة تميل إلى استحسان الذات الجميلة مع العفاف»، والثاني «سكر المحب من عيني محبوبة»، والثالث «تأثر النفوس، بضرب الناقوس» إذا كان من يضربه ظريفا. هكذا صبا الشيخ وظرف، وأخذ ينشئ الشعر في مقامته في هذه المعاني، فقال في المعنى الأول:

أصبو إلى كل ذي جمال

ولست من صبوتي أخاف

وليس بي في الهوى ارتياب

وإنما شيمتي العفاف

وقال في المعنى الثاني:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٢٤