وقرأ في بعض الكتب قول الشاعر:
فيشتت الأفكار ما قاسى الورى
من هول هذا البحر عند ركوبه
وسمع قول العامة في البحر: «داخله مفقود وخارجه مولود»، ولكنه استبشر خيرا بأن بدء الرحلة كان عصر يوم الجمعة، وهو يوم مبارك، وظل يقرأ.
وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ، وقرأ بعد ذلك حزب البحر واعتمد على الله واطمأن، وذكر قول الشاعر:
لما ركبنا ببحر
وكاد من خاف يتلف
على الكريم اعتمدنا
حاشاه أن يتخلف
والخوف الثاني من دوار البحر، وقد سمع عنه كثيرا، ولكن شيخه العطار - وقد ركب البحر مرارا - كان قد أوصاه بفائدة مجربة، وهي أن يتجرع عند نزوله البحر جرعات كبيرة من مائه الملح، ففعل. •••
أول ما لفت نظر «الشيخ» هذا المركب الفرنساوي، وطار خياله، مقارن بين السفينة التي ركبها من القاهرة إلى الإسكندرية، وهذه السفينة الفرنساوية؛ أما الأولى فسفينة قذرة، ولكنه لم يدرك قذارتها إلا لما ركب الثانية، كان يجلس فيها على الألواح، وكان يأكل حيث يجلس، وينام حيث يأكل، ومن حين لآخر يشعل «النوتى» حطبا فيملأ الجو دخانا، ويوقد ناره يطبخ فيها عدسه، في ماعون قد اسود خارجه وداخله، وإذا تم تحلق هو وصحبه حوله وغاصوا بأيديهم فيه، ثم لعقوا أصابعهم بألسنتهم وحمدوا الله؛ وكانت موسيقى المركب لا تنقطع، فصياح لجمع شراع، وصياح لنشر شراع، وصياح لتحويل الدفة، وصياح للمرور من «هويس»، وأوامر ونواه لا تنتهي، وشتائم وسباب كذلك لا ينتهي؛ والمركب غني غنى مفرطا بالحشرات والزواحف من كل لون وشكل، تعين العابد على إمعانه في سهره، وطول تهجده، وكثرة استغاثته بالله.
هذا مركب النيل في مصر، وأما مركب البحر في الإسكندرية فأمره عجب، يقول «الشيخ»: «إن أهل المركب - من الفرنساوية - كانوا يحافظون على تنظيفها وإذهاب الوسخ ما أمكن، حتى إنهم يغسلون مقعدها كل يوم من الأيام، ويكنسونها في صف النوم كل نحو يومين، وينفضون الفراش وغيره، ويشممونها رائحة الهواء، ويزيلون أوخامها». و«الشيخ» يعجب من هذا كل العجب، ويثير مشكلة من أصعب المشاكل، وهي «أن النظافة من الإيمان»، والفرنساوية نصارى، «ليس عندهم من الإيمان مثقال ذرة»، وإخوانهم النصارى من قبط مصر أهل وخم ووسخ، فما بال هؤلاء الفرنساوية النصارى نظفاء، وما بال المؤمنين المسلمين غير نظفاء؟ هذه أولى المشاكل.
وقد ظل «الشيخ» متأثرا بهذه النظرة طول رحلته، يعجب من نظافة الفرنساوية في مراكبهم وفي بيوتهم وفي ملابسهم وفي شوارعهم، ويزداد عبجا إذا بلغه أن أهل فرنسا - مع هذا - ليسوا أنظف أهل أوربا، وأن «أهل الفلمنك (هولنده) أنظف من الفرنساوية إذ تجد غالب حاراتهم مبلطة بالحجر الأبيض المتعهد بالتنظيف، وبيوتهم مجملة من خارجها أيضا، وشبابيكهم القزاز تغسل دائما، بل وحيطانهم الخارجية».
ويحز في نفسه أن المصريين ليسوا بذاك في النظافة، ويزعم «أن أهل مصر في قديم الزمان كانوا أعظم أهل الدنيا نظافة، ولكن لم يقلدهم ذراريهم».
وما أظن ذلك، فالوساخة في مصر داء قديم، وهم - مع الأسف - من أقل الأمم عناية بالنظافة، في مآكلهم وملابسهم ومساكنهم وشوارعهم، ولم تبذل الحكومات المتعاقبة أي مجهود جدي في حملهم على النظافة حتى تصبح عادة، ومحل المقارنة لا يزال الآن كما كان منذ مائة عام في عهد «الشيخ رفاعة» ولا يغرناكم مائة بيت من الطبقة الأرستقراطية في المدن يعيشون في جو نظيف، فالحكم إنما يجب أن ينظر فيه لسائر الشعب؛ وحتى هؤلاء الأرستقراطيون لا يستطيعون أن يعيشوا نظفاء إذا كان من حولهم غير نظيف، فهم مضطرون لمعاملة خدم يخدمونهم، وباعة يبيعون لهم، وركوب ترام أو قطارات يسافرون فيها وهكذا. وكما لا يستطيع بيت أن يعيش نظيفا في حارة قذرة، كذلك لا تستطيع طبقة مهما احتاطت أن تعيش عيشة نظيفة نظافة تامة في جو قذر. إن الفقر المنتشر والبؤس الشائع يدفعان الأمة إلى إهمال النظافة، ولكن أهم من ذلك عدم تدخل أولي الأمر في نظافة الشعب، وتعويده أن يقوم النظافة قيمتها الحقة؛ فمن نعم الله أن تكاليف النظافة رخيصة إذا وجدت نفوسا تأنف القذر.