هناك حلول ثلاثة: (1)
إصلاح الأزهر وهو مركز التعليم والتعلم في البلاد، وتوسيع اختصاصه، فتجعل الدراسة الدينية شعبة، وبجانبها شعبة للرياضيات والطبيعيات، وشعبة للطب، وشعبة للهندسة الخ، وقد يبدو أن هذا الحل هو الحل الطبيعي، وفيه بقاء على مركز التعليم وإصلاحه وتوسيعه، ولكن دون ذلك أهوال، فالرأي العام الأزهري لا يرضى عن هذا التغيير، ويعده إفسادا للأزهر، وإفسادا للدين، والرأي العام الشعبي يتبعه ويؤيده، فيحدث ذلك ثورة في البلاد لا حاجة إليها، ثم إن هذا الطريق طويل، فإذا أعدت العدة لهذا التغيير، وانتظرت النتيجة، كان لا بد من مرور سنين، والإصلاح يتطلب السرعة - آه - ما كان أنفع هذا الوجه لو اتسع صدر الأزهر؛ وعقل الناس! (2)
والطريقة الثانية أن نترك الأزهر وشأنه، وننشئ مدارس مدنية من كتاتيب نظامية ومدارس ابتدائية وتجهيزية وخصوصية كالطب والهندسة، ونقلد فيها المدارس الأوربية ولا يكون لهذه المدارس أية صلة بالأزهر إلا بالمدرسين الذين يؤخذون منه لتعليم الدين واللغة العربية، ونستعين بالأوربيين من فرنسيين وإيطاليين وإنجليز نأتي بهم ونضع في يدهم قيادة الحركة العلمية والصناعية، ونجعلهم يمرنون المصريين حتى ينهضوا بالعبء. ولكن عيب هذه الطريقة أن كثيرا ممن نستوردهم من هؤلاء الأوربيين قد لا يخلصون في عملهم، وقد ينظرون إلى مصلحة أممهم لا مصلحة من يعلمونهم، وقد يضيفون إلى تعليمهم قيامهم بوظيفة التجسس لأممهم؛ ثم المصريون المتعلمون على يدهم محال أن يبلغوا مبلغهم، فكلما طالت السلسلة بعدت عن الأصل. (3)
وثالث الوجوه أن ننشئ المدارس التي ذكرنا ونأتي بأروبيين يعلمون، ولكن نجعل هذا ضرورة نتخلص منها في أقرب وقت، فنبعث البعوث لأوربا في مختلف العلوم والفنون، فيتلقونها من مصادرها؛ فإذا عادوا حلوا بالتدريج محل الأوربيين، وبذلك نكسب السرعة ونكسب الإصلاح ونتقي خطر تغلغل الأجانب.
وعلى هذا الرأي الأخير استقر الرأي، فأرسلت أول بعثة هامة سنة 1826 إلى فرنسا؛ وهم أربعون طالبا، بعضهم لدراسة الإدارة المدنية ، وبعضهم لدراسة الإدارة الحربية، ومنهم لدراسة العلوم السياسية، ومنهم لقوة المياه، والعلوم الميكانيكية، والهندسة والمدفعية، وصب المعادن، وصنع الأسلحة والكيميا والطب، والتاريخ الطبيعي، والمعادن.
واختير معهم عضو محافظ، يذكرهم دائما بالتقاليد القديمة ويصدهم عن الاندفاع في تيار المدنية، فيكون إماما لهم في الصلاة، ومظهرا من مظاهر التقاليد القديمة فكان ذلك هو «الشيخ رفاعة» رشحه لهذا أستاذه العطار.
وهل فكروا حين عينوه أن يكون عضوا أصيلا يعد لشيء، أو مجرد إمام تابع للرحلة يسد خانة من خاناتها؟ الظاهر أنهم أرادوه أولا إماما للبعثة، وهذا عمله الأساسي، فإن تعلم وجاء بشيء فلا بأس وليكن الترجمة، ولكن أراد الله أن يكون الإمام في الصلاة للبعثة إماما للحركة العلمية في مصر.
في عصر يوم الجمعة 8 من شعبان سنة 18/1241 من مارس سنة 1826، كان شاب ملتح معمم سنة خمس وعشرون، ويقدره من رآه بأربعين، لأن حياته وحياة أمثاله لم تعرف الشباب، يظهر عليه الخشوع الديني، والتواضع وطيبة القلب وخفة الروح، يسافر مع أعضاء البعثة من مصر إلى الإسكندرية، ولا تظن أنهم اتخذوا قطار الاكسبريس، فوصلوها بعد ثلاث ساعات، ولكنهم أخذوا زوارق صغيرة كل جماعة منهم في زورق، وسارت بهم في النيل أربعة أيام بلياليها حتى وصلوا إلى الإسكندرية، إذ لم تكن مصر عرفت «الوابور» بعد.
| الشيخ رفاعة الطهطاوي (2)
ركب (الشيخ) البحر من الإسكندرية، وقد خاف من البحر خوفين: خوفا من ركوبه وقد سمع كثيرا عن البحر وأهواله، وحفظ في الأزهر:
لا أركب البحر أخشى
علي منه المعاطب
طين أنا، وهو ماء
والطين في الماء ذائب