تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

درس في الأزهر كما يدرس كل مجاور، وعاش فيه كما يعيش المجاور الفقير، يقنع بالجراية ويأتدم أكثر الأوقات بالفول على اختلاف أنواعه ومشتقاته، ولكنه مع هذا يعتز ببيته ونسبه.

شيء واحد ميزه عن كثير من المجاورين هو اتصاله اتصالا وثيقا بالشيخ حسن العطار، وكان هذا رجلا ممتازا واسع النظر، خبيرا بالدنيا على قلة الخبيرين بها من علماء الأزهر في ذلك العصر، ولم يعجبه طريقة الأزهريين في الاقتصار على كتب النحو والفقه والتفسير والحديث، فضم إلى ذلك نظرته في كتب التاريخ والأدب، وعني عناية كبرى بالأدب الأندلس يدرسه ويحاكيه، ويأسف على انحطاط الأدب في عصره، ويصف شعراء زمنه بأنهم «اتخذوا الشعر حرفة محترف، وسلكوا فيه طريق معتسف، فصرفوا أكثر أشعارهم في المدح لاستجلاب المنح، حتى مدحوا أرباب الحرف لجمع الدراهم في الأسفاط، وكان منهم من يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص ثم يغيرها في آخر، وهكذا، حتى يمتدح بها كثيرا من الناس، وهو لا يزيد على أن يغير الاسم والقافية، وما أشبهه في ذلك إلا بمن يفرق أوراق الكدية، بين يدي صفوف المصلين يوم الجمعة في المساجد، وهكذا كان حال الشاعر، فلا يكاد أحد يتخذ وليمة، أو ختانا، أو عرسا، أو يبنى بناء أو يرزأ بموت محب إلا وبادره بشيء من الشعر، قائما بالشيء النزر».

أما الشيخ العطار فجريا على رأيه لم يحتفظ بشعره في المديح والهجاء مما قاله اضطرارا، ورجا ألا يحفظ عنه إلا «ما لطف من النسيب، وعذب من التشبيب، مما قد ولعت به أيام الشباب، حيث غصن الشبيبة غض، والزمن من الشوائب محض، ولأعين الملاح سهام بالفؤاد راشقة، وتثني قدود تظل لها أعين الأحبة رامقة.

ذاك وقت قضيت فيه غرامي

من شبابي في ستره بالظلام

ثم لما بدا الصباح لعيني

من مشيبي ودعته بسلام»

وكان الشيخ حسن العطار قد أداه ظرفه ومعرفته بالدنيا أن اتصل بالفرنسيين حين دخولهم مصر، ودرس لبعضهم اللغة العربية، وأداه اختلاطه بهم أن يقف على كثير من معارفهم الواسعة فيبهره ذلك منهم، ويتعجب مما «وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة» ويقارن بين ذلك وحالة العلم في الأزهر. ويرثي لحال مصر ويتوقع حصول ثورة علمية فيقول: «لا بد أن تتغير حال بلادنا ويتجدد لها من المعارف ما ليس فيها» ويزيد «العطار» سعة في عقله رحلته إلى الشام وإلى الآستانة، وقد أقام بها مدة طويلة وسكن في «اسكودره» وتزوج بها ثم عاد إلى مصر.

هذا هو الشيخ العطار الذي صار فيما بعد شيخ الأزهر، وهذا هو أستاذ الشيخ رفاعة الذي أثر فيه أثرا غير شائع عند الأزهر بين إذ ذاك، من ميل إلى الأدب واطلاع على الكتب غير المتداولة، وكان التلميذ المحبوب عند شيخه العطار في بيته وفي قراءته الخاصة وفي دروسه العامة.

وفي الحق أن الأزهر كان فيه نبع صغير متسلسل يعني بالتاريخ والأدب، بجانب ذلك النبع الكبير الذي يعني بعلوم اللغة والدين فقط، وكان من هذا النبع الصغير الشيخ الجبرتي المؤرخ الكبير، وتلميذه العطار، وتلميذه رفاعة.

ظل رفاعة يتلقى دروسه في الأزهر حتى أتمها وتصدى للتدريس فيه، ثم عين في منصب صغير هو واعظ للعسكر، ثم حدثت الحادثة الكبرى التي غيرت مجرى حياته ورسمت طريق نبوغه، ومكنته من أن يتولى زعامة النهضة، وهي بعثته إلى باريس.

تولى مصر محمد علي باشا وأراد أن ينهض بمصر في جيشها حتى يساوي جيش تركيا ويفوقه، ونهوض الجيش يحتاج إلى تعلم الفنون الحربية وإلى الهندسة وإلى الطب وإلى الصناعة؛ وأراد أن ينهض بالإدارة في تنظيم مالية الدولة وإدارتها وضبط دخلها وخرجها، ونهوض الإدارة يحتاج إلى رؤوس تضع النظام وأيد متعلمة تنفذه؛ ونظر فرأى أن كل ناحية من نواحي الإصلاح تصطدم بالحاجة إلى العلم والعلماء والمتعلمين، وأن ليس في البلاد من ذلك إلى الأزهر وملحقاته، فلم يكن إلا الكتاتيب في القرى والبلدان تحفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة على نمط عتيق، وهذه الكتاتيب تسلم إلى الأزهر، وقد يكون في بعض المدن كالإسكندرية وطنطا معاهد هي صورة مصغرة من الأزهر، والأزهر لا يعلم إلا الدين واللغة العربية على نمط القرون الوسطى، وليس في البلاد كلها مدرسة تعلم الجغرافيا والتاريخ والرياضة والطب والهندسة والزراعة والطبيعة والكيميا. المهندس هو المعمار الذي يتخرج من ممارسته للبناء؛ والطبيب هو الذي قرأ شيئا من تذكرة داود، ومنهاج الدكان ، ومارس الصناعة مع المجربين؛ والرياضي هو من حفظ «سورة الفدان»، وتعلم على الصراف أو نحو ذلك؛ وكل هذه أدوات لا تكفي لبناء نهضة، فما الحل؟

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٢١