تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم بجانب هذا وذاك ضروب أخرى من التعاون الثقافي لا بد منها، مثال ذلك تبادل كبار الأساتذة والعلماء والأدباء في الأقطار العربية المختلفة، فأساتذة الشام في مصر والعراق، وأساتذة العراق في مصر والشام، وأساتذة مصر في الشام والعراق، وهكذا في الإجازات المدرسية، وفي المسامحات الصيفية، فهذا يخلق جوا علميا بديعيا وتعاونا ثقافيا جليلا.

ثم انتهاز الفرص العلمية والأدبية لذلك، فمهرجان لذكرى أبي العلاء في الشام تلقى فيه البحوث الأدبية من أساتذة الأقطار العربية، ومهرجان للإمام الشافعي في مصر تلقى فيه البحوث التشريعية والقانونية، ومهرجان للخليل بن أحمد في العراق تبحث فيه البحوث اللغوية، ولعمر بن الخطاب في المدينة، ولأبي الطيب المتنبي في حلب، وللإمام الأوزاعي في بيروت، وهكذا لا ينفض مهرجان حتى يعد مهرجان آخر، وفي هذه المهرجانات تتلاقى الأفكار وتتوالد الآراء، وسيكون من نتيجة ذلك حتما التفكير في الإصلاح من جميع نواحيه اللغوي والأدبي والنحوي والتشريعي ونحو ذلك.

إذا تم ذلك كله - وهو ما أرجو أن يكون بعد الحرب مباشرة - فنحن أمام نهضة عربية وثابة، وإصلاح عربي شامل، ووضع أسس لبناء العرب في هيكل الثقافة، وبذلك يساهمون في بناء صرح الثقافة العالمية مع البانين، ويشيدون مع المشيدين.

والله ولي التوفيق.

| الشيخ رفاعة الطهطاوي (1)

مؤسس النهضة العلمية الحديثة

حقا إن «الله أعلم حيث يجعل رسالته»، هذه ألوف الطلبة في المدارس، وهذه ألوف المجاورين في الأزهر، من منهم سيكون النابغة العظيم، والزعيم الكبير، والمصلح الخطير؟ لا ندري، كلهم يتعلمون وأكثرهم يجدون، ولكن الحكم بالنبوغ والقيادة والزعامة عسير على المتنبئين. تقيس بمقاييس الامتحان ثم يظهر خلل حكمك، فقد يكون أول ناجح في الامتحان أول خائب في الحياة؛ وتقيس بمقاييس الذكاء، فتحكم بأن هذا أذكى من امتحنت، ثم يخبو هذا الذكاء شيئا فشيئا، حتى ينعدم أو يكاد، أو يظل الذكاء حادا ومع ذلك فلا نبوغ؛ وتحكم بالخمول على طالب، ثم يتطور فيكون قائدا أو زعيما. إنما عملنا أن نؤرخ النابغ بعد أن ينبغ، ونعلل نبوغه بأسرته أو أساتذته أو بيئته أو نحو ذلك من أسباب، ولكن كم من أسرة خير من أسرته لم تنجب؛ وكم من أساتذة خير من أساتذته لم يخرجوا مثله؛ وكم بيئة أصلح من بيئته لم تنجح في إعداد شبيه له، وكم كلها مجموعة لم تعد للحياة نابغة. في بيتي شجرتا مانجو، أما إحداهما فقالوا احفر لها فحفرت، وأت لها بتربة صالحة فأتيت، طعمها فطعمت، واختر لها الجهة المناسبة فاخترت؛ وأخرى رميت بذرتها رميا، وتركتها للمصادفة تركا، ولم أعن بها أي عناية، ثم خابت الأولى حيث نجحت الثانية - إنما تنجح القواعد العامة - في التربية والاقتصاد والزراعة ونحو ذلك - في جمهرة الأشياء وعاديها، أما النوابغ فشواذ خرجوا من القواعد وندوا عن التعليل.

هذا «رفاعة» من أسرة مثلها كثير، وهو مجاور في الأزهر مثله كثير، وتهيأت له من الظروف ما تهيأ لكثير، ولكن لم يجر على يد أحد من الخير لأمته في ناحيته ما جرى على يده، ما السر في ذلك؟ علمه عند الله.

من أسرة في «طهطا» تعتز بشرف نسبها للرسول، ويعزها الناس لذلك، عرف كثير من أفرادها بالعلم وتولى القضاء والإفتاء، وديارهم منازل الحكام ومورد القصاد، والحكومة على نظام ذلك العهد تمدهم بالأراضي يستغلونها ولا يملكونها، وبالأرادب الكثيرة من القمح كل عام في نظير فتحهم بيوتهم للضيوف وذوي الحاجة؛ ولكن هذا العطاء لم يكن - كما نقول اليوم - حقا مكتسبا، ولكن منحة عارضة، تتبع رغبة الوالي وشهوته، فهو إذا شاء أطلقها، وإذا شاء منعها - وكان من سوء حظ «رفاعة» أو من حسن حظه، لا أدري - أن قبض الوالي يده عما كان يعطي أهله، فوقعوا في الفقر واضطر أبوه أن ينزح من البلد، ومعه رفاعة صبي صغير. ولكن ما لبث والده أن مات فقيرا، فعاد الصبي إلى طهطا، ونزل في أخواله، وشاء الله أن يكون في هؤلاء الأخوال من يعلمه ويعده للأزهر، فحفظ بعض المتون بعد أن حفظ القرآن ودرس شيئا من الفقه والنحو، ثم أرسل إلى الأزهر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٢٠