ثم مشكلة ثالثة:
قد خلقت لنا المدنية الحديثة علوما لا عهد لنا بها، وفي هذه العلوم مصطلحات فرعية لا تحصى، في الطبيعة والكيمياء والفلك والاجتماع والنفس والعمارة والصيدلة، وخلقت لنا ألوفا وألوف الألوف من الأدوات والصناعات والعقاقير ومركباتها ونحو ذلك، ولا غنى للعرب عن استعمالها، فكيف نتفق على تعريبها وتوحيد مصطلحاتها والاتفاق على الألفاظ الصالحة لها، فليس يليق أن تنفرد كل أمة عربية بوضع مصطلحاتها ما دامت اللغة العربية ملكا لجميع الأمم العربية وقدرا مشتركا للتفاهم بينهم؟ ما وسائل التعريب؟ ما قواعد التعريب؟ كيف ينظم التعريب؟ كيف يبدل الجهد للفراغ من كل المصطلحات الأوربية حتى نقف مع الأوربيين على قدم المساواة، وننتهي من الماضي، ولا نواجه في الحاضر إلا ما اخترع حديثا واكتشف حديثا.
ثم مشكلة رابعة:
لكل أمة من الأمم الحية دائرة معارفها، بل دوائر معارفها، تكتب بلغتها وتساير العلم في مراحله، ويعاد طبعها بين حين وآخر، ويزاد في الطبعة الجديدة ما وصل إليه العلم الحديث بين الطبعتين؛ وكل أمة تعني في دائرة معارفها بنوعين: القدر المشترك بين جميع الأمم، والعناية الخاصة بموضوعاتها الخاصة من جغرافيتها وتاريخها وأعلامها؛ هذا ما علمته انجلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها.
فماذا فعلت الأمم العربية في هذا السبيل؟ دائرة معارف للبستاني لم تكمل وأكل عليها الدهر وشرب، وتقدم العلم عليها حتى أصبحت في عداد التاريخ. ثم لم تجد من يكملها ويقدمها مع الزمن، ويطبعها طبعة جديدة تتفق والنهضة العربية يكون فيها خير التراث العربي وخير التراث الغربي؟
ومشكلة خامسة:
إذا وحدت الأمم العربية تعريف تربيتها ورسمت خطتها في التعليم، فلا بد من الفصل بين مسألتين: قدر أساسي مشترك تتساوى فيه الأمم العربية من حيث المناهج والخطط والغرض؛ وقدر خاص غير مشترك تحافظ فيه كل أمة عربية على شخصيتها، فتتوسع في جغرافية بلادها وتاريخ رجالها، وتسير كل أمة في المستوى الذي يناسب استعدادها ومقدرتها المالية.
فما هو هذا القدر المشترك، وما هو هذا القدر الخاص وكيف يحدد وكيف يرسم؟ •••
هذه في نظري أهم المشاكل التي تواجه العرب من الناحية الثقافية، وهذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح ويجاب عنها.
فكيف يكون ذلك؟
لهذا جملة وسائل:
أن يكون هناك مكتب للتعاون الثقافي تختار كل حكومة عربية من يمثلها فيه، وهؤلاء يتبادلون الرأي في هذه المشاكل وأمثالها، ويضعون الأسس اللازمة للسير عليها، وهذا هو ما بدئ به فعلا حسبما أعلم، ولا ينقصه إلا التعميم واشتراك الأمم العربية كلها فيه، والنشاط في عمله.
ولكن هذا وحده - في نظري - لا يكفي؛ فالممثلون الرسميون عادة يضطرون إلى تقدير اعتبارات سياسية قد تحد من نشاطهم وتلون بحوثهم وتفكيرهم.
ومن أجل هذا ينبغي أن تكون بجانب هذه الهيئة الرسمية هيئة أخرى غير رسمية، فيؤلفون جمعية تعاونية تبحث الموضوعات بحثا حرا طليقا مجردا عن الاعتبارات السياسية، وهذه - فضلا - عن خدمتها للفكرة تفيد فائدة كبرى الهيئة الرسمية، وهذه الجمعية يختار أعضاؤها ممن عرفوا بالإخلاص والجد وعدم الاستهواء السياسي والغيرة على مصلحة الأمم العربية الثقافية، وتتعاون هذه الجمعية في غرضها، وتعمل في وضح النهار، ولا يكون لها غرض إلا خدمة الثقافة ومعالجة المشاكل التي أسلفنا الإشارة إليها.
وهذه الجمعية تعقد مؤتمرا كل سنة على مثال المؤتمر الطبي، كل سنة في قطر من الأقطار العربية، سنة في القاهرة، وسنة في دمشق، وسنة في بغداد، وسنة في مكة وهكذا.
ويكون للجمعية سكرتيريتها تحدد أغراض الاجتماع وموضوعات البحث، ويتعاون أولو الخير والبر على إمدادها بالمال اللازم لها: ويكون لهذه الجمعية مجلة بلا مجلات؛ فمجلة لنشر أعمال المؤتمر وأخباره، واختيار لجانه الفرعية ومبلغ نشاط الأعضاء واللجان في نواحيها الثقافية المختلفة؛ ومجلة تكون على نمط «المختار من ريدرز ديجست» تعني بخلاصة خير المقالات التي تنشر في الصحف والمجلات العربية بل والإسلامية من غير العربية، فمثل هذه المجلة تقرب من أفكار الشرق، وتؤلف بين ثقافته، وترقي تفكيره، وفي هذا خدمة للوحدة العربية الثقافية وهكذا.