تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو البحر الذي لا تفنى عجائبه ولا العجب منه؛ لم تنل الأيام من جماله ولا جلاله، كأنما خرج من حكم الزمان وعز على أفاعيله؛ وقفت على شواطئه الأجيال، ثم طواهم الدهر جيلا بعد جيل ولم يستطع أن يمسه هو بسوء؛ في شباب دائم ونشاط دائب، لم يلحقه يوما عجز المشيب ولا وهن الكبر؛ راحة المكدود، ومتعة النفس، وسلوة العاشق، وحيرة العالم، وأنس الفيلسوف ، وبسمة الغواني، ودمعة المتصوف.

شيئان أشعر معهما - دائما - بضعة الإنسان وحقارته، ويملؤني العجب من قلة عقله في نزاعه وحيله ومراوغته، وذله واستعلائه، وشغله الدائم بما لا طائل تحته: مطالعة السماء ونجومها بالليل، ومطالعة البحر وأمواجه وعظمته بالنهار.

ما الإنسان الوضيع أمام هذا البحر الجليل، وما دنياه كلها بما يعتورها من هم وقلق، وغم ونكد، ونزاع وخصام، وما شئت من أشكال وألوان، إلا كموجة واحدة من أمواج هذا البحر تجري لمستقر لها، فإذا وصلت إلى الشاطئ تلاشت كأن لم تكن، وظل البحر في جماله وجلاله كأن لم ينقصه شيء. •••

قطع علي غزلي في البحر صوت جدل يقرب مني شيئا فشيئا حتى يكون بجانبي.

رجلان كهلان مثقفان كما يظهر من حديثهما، سلما وإن لم أعرفهما، لأن المصيفين إذا قلوا عدوا أنفسهم جميعا أسرة واحدة. وجلسا على مائدة بجواري على البحر يتممان حوارهما.

لم أفهم بادئ الأمر كلامهما، لأني لم أعرف «عالم الحديث» كما يعبر الإفرنج، ثم بدأت أفهم، فقد انتقلا إلى موضوع جديد، إذ سأل أحدهما الآخر: (أ) :

أتستطيع أن تخبرني بحق لماذا أنت عائش؟

سؤال بهرني، ولو سئلته ما عرفت له جوابا. (ب) :

أصدقك أني عائش لأسرتي، فلهم أسعى وأكد، ومن أجلهم أتحمل عناء الوظيفة وملق الرؤساء ومخالفة الضمير، وأمل «الدرجة»، أصيف تبعا لهم، وأشتي تبعا لهم، وأحب ما يحبون وأكره ما يكرهون؛ وأجتهد أن أرقيهم إلى أقصى ما أستطيع جسما وعقلا وخلقا، وبذلك كانت أسرتي محور أغراضي وأساس اتجاهاتي، وشاغلة ذهني، ومالئة فكري. (أ) :

إنك بهذا لم تخرج عن أن تكون «أنانيا» من شكل آخر، كالذي يعيش لنفسه ويجعل غرضه شخصه، فأنت تجعل غرضك أسرتك لنفسك، تعنى بها لأنها ملك لك، كما تعني ببيتك الذي تملكه ومزرعتك التي تستغلها؛ فأنت تربي أطفالك لأنك في أعماق نفسك ترى أن تربيتك لهم دين عليهم في مستقبل حياتهم، يوم يأخذ الكبر منك مأخذه، فتحتاج إلى معونتهم ماديا أو معنويا، ويحملون عبئك بعد ما حملت عبئهم. (ب) :

ما أظن هذا صحيحا، فليست هذه أنانية مطلقا، فأنا أرقى الأمة عن طريق ترقيتي أسرتي؛ أليست الأمة مجموعة من الأسر، فإذا عني كل رب أسرة عنايتي كان لنا من ذلك أمة واقية في أبنائها وبناتها وحياتها الاجتماعية والاقتصادية؟! وأملي في تربيتي أن أجمل أبنائي خيرا مني، وبناتي خيرا من أمهن، بل آمل أكثر من هذا أن أجعل من أبنائي قادة في بعض نواحي الحياة الاجتماعية؛ وماذا تفعل الأمة الراقية أكثر مما أفعل، فهي ترقي أسرتها لترقى أمتها، فإن عددت هذا أنانية فهي أنانية راقية جدا تتحد بالغيرية. (أ) :

إن كان كذلك فلم تعني بأولادك ولا تعني بأولاد غيرك، وقد يكون فيهم من هم أنجب من أولادك، وأحسن استعدادا وأقوى خلقا وأكثر قابلية لأن يكونوا قادة؟ أليس هذا برهان الأنانية؟! (ب) :

غريب هذا أتريد أن تجردني من أنانيتي، ولو جردت منها ما كنت «أنا» «أنا»، وليس هناك مذهب من مذاهب الأخلاق يريد أن يمحو الأنانية بتاتا، وكل ما يدعو إليه أرقاها أن يؤلف بينها وبين الغيرة؛ فلو عنيت بأبناء غيري وأهملت أبنائي لما كانت هناك حرارة البواعث الغريزية التي تدعونا بطبعها للعناية بأبنائنا، فلو ربى غيري أبنائي وربيت أبناء غيري لفسد الجميع. (أ) :

ولكن هب كل هذا صحيحا، أيصح أن تكون عنايتك بأسرتك كل غرضك في الحياة؟ إن تركيز مخك كله في أسرتك يحرمك من الاستمتاع بأفق أوسع ومثل أعلى، إن هذا التركيز ضار بأسرتك نفسها، فكثرة العناية بها والإفراط في الشعور بالمسئولية عنها يعود الأسرة كلها رمي حملها عليك: فلا الأم تشاركك في حمل العبء، ولا الأبناء يتعودون الشعور بالمسئولية؛ لأنهم يجدون كل شيء محمولا عليك، فينشئون مدللين غير صالحين لأنفسهم ولا للحياة - ألا تعرف فلانا وأسرته؟ كان يوقظ أولاده في الصباح ويشرف على إفطارهم، ويرعاهم إذا لبسوا، ويرسلهم مع الخدم إلى المدارس، وإذا تأخر في عمله تحدث في «التليفون» عن عودتهم وصحتهم، وإذا ارتفعت حرارة أحدهم ربع درجة دعا له أمهر الأطباء، ودعته الشفقة أن يجيب لهم كل مطلب، وإذا وجد أحد أبنائه ضعيفا في مادة أتى له بالمدرسين الخصوصيين، وحمل كل عبء عن كل ولد. وحرم نفسه من كل لذة ليمتعهم بكل لذة، فماذا كانت النتيجة؟ خرجوا مائعين لا يصلحون للحياة، ناعمين لا يتحملون خشونة الحياة، ففقد بذلك نفسه، وفقد أولاده، وفقدتهم الأمة جميعا - إن تركيز كل هم الإنسان في الأسرة ضاربها كضرر التخلي عنها وعدم الشعور بمسئوليتها. إن الأسرة تصلح أن تكون غرضا من أغراض الحياة لا كل غرض، وليست - فيما أرى - تصلح لأن تكون إجابة عن سؤالي: لماذا أنت عائش؟ (ب) :

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥١٦