تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبينما هذه الناحية من الغريزة الجنسية تشغل رجال الدين والأخلاق والاجتماع، إذا بناحية أخرى منها تشغل بعض علماء النفس، فقد لفت نظرهم تعدد أنواع النساء والرجال، ولعب الغريزة الجنسية بهم ألعابا مختلفة، لماذا يحب هذا الرجل هذه المرأة دون تلك؟ إن في مجال هذه الألعاب مناظر نفسية مختلفة: هذه امرأة تثير في الرجل خياله ومشاعره، وأحلامه، تجذبه وتضطره أن يتحمل في سبيلها الآلام، ويتخطى العقبات، ولها سر مجهول يجعل حبه لا يفنى ولا ينقص مهما تغيرت الظروف.

وهناك امرأة أقل منها شأنا تثير هذا الحب والجاذبية ولكن في إمكان الرجل أن يتغلب عليه بسلطان عقله، لأن ما تثيره من حب هادئ غير عنيف.

وهناك امرأة تثير في الرجل إعجابه لا من طريق شخصيتها، بل من طريق ملابساتها، كذكائها وذوقها، فالرجل ينظر إليها نظرته إلى الصديق الموائم، والأخ المنسجم.

وهناك امرأة تلهب شعلة كشعلة القش ما تشتعل حتى تخمد، وإذا خمدت فالكراهية والاستثقال والنفور، إلى غير ذلك من أشكال وألوان.

وشأن الرجال في نظر النساء شأن النساء في نظر الرجال؛ بل قد تكون امرأة في نظر رجل من الصنف الأول، وفي نظر آخر من الصنف الرابع وهكذا، ولذلك يخرج من عشرة رجال وعشر نساء أشكال عدة وعلاقات مختلفة - هل درست التوافيق والتباديل في الحساب؟

قلت: نعم.

قال: هو هذا. ولبعض علماء النفس في ذلك بحوث تستخرج العجب، سأقص عليك طرفا منها في فرصة أخرى، وأزيد الآن على ما قلته أن كثيرا من أسباب السعادة الزوجية أو الشقاء يرجع إلى هذا السر الخفي. وبدأ الناس في الانصراف فانصرفنا، وركبنا عربتنا، وفي الطريق ظل يتدفق:

أرأيت كيف أن الطبيعة وضعت فينا هذه الغريزة، وسخت في منحها، فلعبت بنا هذه الألاعيب في الفن والغزل، وفي الحياة ومتاعبها؟! لقد أخفت عن الأنسان سرها، وحجبت عنه فهمها، وسخرته في خدمتها، وهو يظن أنه حر طليق يلعب ألاعيبه باختياره وإرادته، مع أنه هو عبد لغريزته! لقد ضحكت منه الطبيعة وهو - من غفلته - يعتقد أنه هو الذي يضحك منها! قلت: أما وقد كشفت لعبتها، فهل ترى رأي أبي العلاء.

تواصل حبل النسل ما بين آدم

وبيني ولم يوصل بلامي باء

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد

بعدوى فما أعدتني الثؤباء

قال: لا، فرأى أبي العلاء قلب للوضع، وتحريف للجنس، والإنسان الكامل ليس من يحارب طبيعته، بل من يرقى طبيعته. وأرقى أنواع الحب - كحب الوجود، وحب الله - لم ينشأ إلا مما أفاضته علينا الطبيعة من حب الجنس .

لقد كان أبو العلاء وأمثاله يرون أن الغريزة الجنسية عائق عن تحرر النفس، وأنها مانع من موانع رقيها وسموها، وأن كمال الإنسان في التخلص منها وإمانتها بكبتها، وأنها في الإنسان ضرورة محزنة، وعلى هذا الأساس تأسست نزعة الرهبانية، ونظم الأديرة، وخلوات الصوفية، ولكني أرى غير هذا الرأي. نعم إن الغريزة الجنسية كم حطمت من أفراد، بل كم حطمت من أمم، وجعلت حياتهم ليست إلا حياة بهيمية مزوفة، وجعلتهم يسخرون كل ملكاتهم الأخرى - من ذكاء وعاطفة وقدرة - لخدمة هذه الغريزة، ولكني أرى أن من الممكن أن يتسامى الإنسان من طريق وجودها لا من طريق إعدامها، ومن الممكن تحويلها من مصدر شر للإنسان إلى مصدر خير، وخير للإنسان أن يمنح نعمة الحب فيعدلها ويلطفها، ويستخدم ما ينبعث عنها من عواطف لخير نفسه وخير إنسانيته، من أن يحرم الحب، ولو عاش بعقله.

ومسألة أخرى عظيمة الأهمية في هذا الموضوع وهي أن الإنسان ...

وهنا وقفت العربة أمام بيت الأستاذ، فودعته وانصرفت، ونظرت، فإذا أنا قد عدت من حفلة العرس بخفي حنين، ومن الفلسفة بملء اليدين، فخاسر أنا أم رابح؟

| لماذا نعيش؟

في ركن من أركان «كازينو» رأس البر، جلست وحدي ومعي كتابي لعلي أسأم فأقرأ. ورأس البر لم تزدحم بعد بالمصيفين، فينعم فيها مثلي بعيش هادئ واستجمام مريح. جلست أحملق في البحر بعد غيبة عنه طويلة، فإني لم أره منذ شهور، مع حبي له وشوقي إليه. وكرهت أن أفتح الكتاب فالبحر نفسه كتاب مفتوح، وهو كتاب حي وما في يدي كتاب ميت؛ وهو يوحي بأفكار مبتكرة وكتابي يوحي بأفكار تقليدية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥١٥