جاءنا مرة في امتحان الشهادة الابتدائية في اللغة العربية بيت ظريف وهو:
إن على سائلنا أن نسأله
والعبء لا تعرفه أو تحمله
فقل لي أنت - بدورك - لماذا أنت عائش؟ (أ) :
لقد شغل هذا السؤال تفكيري طويلا، وقلبت الأمر على وجوهه، وأجبت كل إجابة وناقشتها؛ فقلت أولا - أعيش لنفسي، فوجدتني إذ ذاك كأخس حيوان، ووجدتني أعيش في أضيق أفق؛ ثم قلت: أعيش لأسرتي، فكان من الاعتراض عليه ما رأيت، ثم بحثت أن أعيش لوطني ولديني؛ وأخيرا وطنت نفسي أن أجعل أملي أن أكون مصدرا للخير العام حيث كان، فأكون كالشمس تلقي أشعتها على كل كائن، فقيرا وغني، مؤمن أو كافر، مواطن أو غير مواطن. رأيت الباعث على العمل إن كان شخصيا - في أي شكل من أشكاله - يبعث على التفرق والخصومة، ورأيت الباعث إن كان عالميا علما التهم الخصومة وبعث على السلام - لقد حاولت أن أبعث هذا الباعث في نفسي، فنجحت أحيانا وفشلت أحيانا، ولكني دائما أحلل أسباب الفشل وأحاول أن أتقيها، وقد رأيتني بذلك أتحرر شيئا فشيئا من الحقد والبغض، والحسد والطمع، ونحو ذلك، مما يتعب الناس بلا فائدة؛ بل رأيتني عندما كنت أحيا للباعث الشخصي كنت أخاف الموت خوفا شديدا، وأتألم أشد الألم للكوارث المالية أو النفسية، فلما سموت بباعثي خف خوفي من الموت ومن الكوارث، وأحسست التحرر من هذه الآلام إلى حد بعيد، وشعرت بجمود العاطفة نحو المسائل الشخصية، وحرارة العاطفة نحو المسائل العامة - لقد أصبح يهمني أولاد جاري، ويهمني فلاحي في مزرعتي، لا لأنهم في مزرعتي، ولكن لأنهم هم الذين أستطيع نفعهم؛ بل إني لآلم من بؤس الفلاحين عامة، وأود أن أستطيع نفعهم، ولو كان بيدي ميزانية الدولة لجعلت ثلاثة أرباعها للفلاحين وربعها للمدن؛ ويسرني نجاة مصر من كوارث الحرب بقدر ما يؤلمني كوارث الحرب لأي صنف؛ وأحب أن يكون لي مال لأنفع به الناس، وجاه لأستغله في خيرهم، وشهرة لأستخدامها في منافعهم؛ فإذا لم يكن من ذلك شيء فعلت ما أستطيع على قدر ما في يدي. (ب) :
ولكن ألا ترى معي أن سعة الباعث يضعف من قوته؟ فمثلك - إذا - مثل من رمى زنبيل سكر في النيل، فلا هو احتفظ بسكره ولا هو أحلى النيل! إنك إذا ركزت همتك في أسرتك، وجارك فعل مثل فعلك، كان لنا من ذلك أسر راقية؛ ولكن لو كلف عشرة آباء العناية بعشر أسر من غير تخصيص ما وصلت هذه الأسر العشر من الرقي إلى الحالة التي يعني فيها كل عاقل بأسرته وحده. (أ) :
مثلك صحيح، ولكن علته غير صحيحة، فحال الأسر هو كما ذكرت، ولكن لا لسبب كمية الحب، وضيق الباعث؛ إن السبب في صحة مثلك هو أن حياة الأسر أساسها الخصوصية، ولهذا كان لا بد أن تختص ببيت. وتعيش عيشة فيها معنى الستر، ومعنى الملكية، ومعنى الاستقلال، فإذا انساحت عشر أسر تحت إشراف عشرة أرباب زالت كل هذه المعاني، ولم تعد الأسرة أسرة. أما الحب وقدرة الإنسان عليه فليس كمية محدودة بحدود الأشياء المادية - هو ليس ككمية من السكر، ولا كمية من المال، لا تتسع إلا لشيء محدود - قارن بين أم لها ولدان وأم لها عشرة أولاد، أتظن أن الأم ذات العشرة تحب ابنها خمس حب ذات الاثنين فقط؟ هذا ليس بصحيح. إن قلب الإنسان مصدر العجائب، فهو إذا ربي على الحب الواسع وسع كل شيء؛ إنه إذا روح عليه اشتعل وأضاء ضوءا قويا تزول معه كل ظلمة، وينكسف له كل ضوء خافت. إنها التربية الضيقة هي التي تحد حبنا في شخصنا أو أسرتنا أو بيئتنا، فإذا هدمت هذه وحل محلها تربية واسعة الأفق أحببنا حبا لا حدود له. وإنك لتعجب إذ ترى الإنسان مع هذا الحب الواسع لم يفقد شيئا من حبه الجزئي، فهو يحب شخصه، ويحب أسرته، ويحب أمته، ويحب دينه؛ ولكن حبه الواسع يلون كل حب جزئي بلون خاص لطيف يتفق وسعة أفقه، وامتداد نظره، وفيضان حبه. •••