تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل خطا أستاذنا «دارون» ومدرسته أكثر من ذلك، فزعموا أن جمال الطيور والحيوان إنما منشؤه الغريزة الجنسية والانتخاب الطبيعي، فتحجيل الفرس وبياض غرته، وزركشة الطاووس، ونقش الفراشة، والنكت البيض والصفر والسود والحمر في الطائر والحيوان إنما هي تبرج للغريزة الجنسية.

قلت: لم يبق إلا أن يقولوا كذلك في الأزهار وألوانها، وجمال الورد، وزرقة البنفسج، وبياض الياسمين، وزركشة «البنسيه»!

قال: نعم، كذلك قالوا، حتى لو عدمت الغريزة الجنسية لم يبق من الجمال في العالم شيء.

قلت: وجمال الطبيعة؟

قال: لم نكن ندرك لها جمالا لو فقدنا هذه الغريزة - ولم يصنع الإنسان أكثر من أنه أخذ ما يفعل النبات والحيوان، فرقاه في شعوره بالجمال، وفي شعوره بالواجب، وفي الحب الزوجي والأبوي، وفي الغناء، وفي الرقص، وفي الزينة والتزين؛ وقد فعل في ترقية كل ذلك ما فعله في المأكل والمشرب والملبس مع تعقيد وتجميل، والأساس في كل ذلك ما عنده وعند كل حي من الغريزة الجنسية.

قلت في نفسي: سبحان ربي، أفي مثل هذا الجو تثار مثل هذه المشاكل؟ وأنحى من هذه الملاحة والوضاءة، وأحرم من قراءة نسخة الحسن في الوجوه، لأقرأ نسخة من أرسطو، وأنقل من سمع الألحان إلى سمع الكيان

1 .

ودعينا إلى سماط فخم، فيه كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

قلت لشيخي: ما هذا؟

قال: كأنه كتاب أنيق، حسن الديباجة، محكم الوضع، متناسق، التبويب، متنوع الأساليب، قد استوعب الأصول وأحاط بالفروع.

قلت: أرسطو ورب الكعبة.

وصمت الشيخ فلم يتابع حديثه، وكأنه ضن بالفلسفة أن يسمعها غير أهلها، أو تقال في غير محلها، فحمدت الله إذا استعضت عن الأكلة في فكرة بأكلة في نظرة. وحدث ما شئت عن جمال وظرف، وأناقة ولباقة، وفكاهة حلوة على لقمة حلوة، وهمسة خافتة تتبعها ضحكة عالية، حتى انتهينا من أكلنا هنيئا مريئا، وعدنا إلى مجلسنا في ركننا، وبالمتكلم رغبة في أن يتكلم أكثر مما للسامع أن يسمع، ثم قال. إلى أين وصلنا؟

قلت: إلى أن كل فن في الإنسان، وكل غناء للطيور والحيوان، وكل برقشة للنبات، سببها الغريزة الجنسية.

قال: نعم، وقد فكرت طويلا في هذه الغريزة، وما القصد منها، فتبين لي أن الطبيعة منحتها بقصد «استمرار الحياة»، وقد كانت الطبيعة سخية، فمنحت منها أكثر من الحاجة إليها، فرصدت «للاحتياطي» منها أكثر مما يلزم، ومنحت الإنسان أكثر مما يقتضيه بقاء النوع واستمرار الحياة، فصرف جانبا منه في هذا الغرض الأساسي، وفاض ما عنده فصرفه في اللعب بالعواطف وممارسة الفن، وأنفق جزءا منه في تربية البنين والبنات ليكمل غرضه في «استمرار الحياة»، ويجعله استمرار حياة تأخذ في الرقي والتقدم؛ ولما كان حبه أكثر من الحيوان كانت تربيته لنوعه أرقى وأنفع، فاستطاع أن يرقى ملكاته، ويربي مواهبه على مدى الزمان، حتى لتشعر بالفرق الكبير بين الإنسان الحاضر والإنسان الماضي، ولا تشعر بفرق كبير بين القط الحاضر والقط الماضي، وبذلك امتاز الإنسان بأن ليس الغاية من غريزته الجنسية حفظ نوعه واستمرار حياته فقط، بل غايته أيضا ترقية النوع إلى أن يصل إلى درجة الإنسان الكامل - وكل القوانين التي شرعت للزواج والطلاق وحقوق الأسرة، وعقوبة الزنا وما إليه، إنما كان الغرض منها حماية هذه الغريزة حتى تؤدي غرضها على الوجه الأكمل، واختلاف هذه الشرائع رقيا وانحطاطا اختلاف في التوفيق في فهم الغرض الأساسي ووسائله، أو عدم التوفيق - وقد وجد في الطبيعة من فسدت منه هذه الغريزة الجنسية كما يوجد من فسدت غرائزه الأخرى، فهناك المعتدل في شهوة الأكل، ولكن بجانبه النهم ومن لا يشتهي الطعام، كذلك هذا؛ فمن الناس أبو العلاء، وأبو نواس، وصريع الغواني. والإغراء في هذا الباب أقوى، والحيل فيه أوسع، لهذا التفت التجار إلى أن يستغلوا هذه الغريزة ويستهووها بشتى الوسائل حتى السينما والتمثيل والصحف والمجلات، والتفت المشرعون لصد هذا التيار، ووقف الغريزة عند حدها المشروع، فكان صراع أين منه الصراع على المأكل والمشرب والملبس.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥١٤