وقد قرأت عن بعض العلماء المحدثين أنهم شغلوا بالعلم وتعمقوا فيه واستسلموا له، وغمرهم تياره فكفروا بالدين، ولكن مع هذا كله ظل أمر الدين ساكنا في أعماق قلوبهم؛ ووصف بعضهم أحدهم - ولا أذكر اسمه الآن - فقال: «إنه كفر عقله وآمن قلبه»، وذلك لأن مزاجه من النوع الرقيق الذي يؤمن رغم أنفه.
والآن أظنك توافقني على أن كل إنسان يخرج من عقله وقلبه وعواطفه ومزاجه خيوطا خاصة به، يؤلف منها مقدماته ونتائجه، ثم يعتقد أنها الحق، وأنها وحدها الحق، وأنها منطق صرف، وأنها عقل بحت؛ وكذلك يفعل الآخر حسب عقله ومزاجه، فيكون الخلاف؛ وكلما كانت هذه الخيوط أكثر اختلافا في النوع، كان المتجادلان أشد خلافا في الرأي .
وإن ما ترى - الآن - حتى من الاختلاف في النزعات السياسية من نازية وشيوعية وديمقراطية يمكن إرجاعه إلى ما ذكرت من اختلاف في المزاج، وأعني اختلاف القادة والمؤسسين لهذه المذاهب، لا العامة والأتباع.
لقد هممت أن أمطره وابل من الأسئلة: ما قيمة التربية الأخلاقية والدينية والسياسية - إذن - على مذهبك؟ كيف يؤسس الإصلاح إذا صحت نظريتك؟ كيف تقرب التفاهم بين المفكرين إذا اختلفت خيوط نسيجهم؟ ونحو ذلك من الأسئلة، ولكنه بدأ يمل ثانية، فأشفقت عليه وسايرته إلى منزله، وتحدثنا ولكن في الصحة والمرض، والأدوية ومنافعها، لا في العقل والمزاج.
وودعته بعد أن رجوت له الصحة وتواعدنا أن يتمم لي رأيه في باقي أسباب الخلاف.
| في الهواء غير الطلق
دق جرس «التليفون» صباحا: - ألو ... - صباح الخير ... - أمدعو أنت لحفلة عرس فلان؟ - نعم. - وستذهب؟ - نعم. - إذن مر على في الساعة الثامنة مساء لنذهب معا. - مع السرور.
ووضعت السماعة، وكان الذي يتكلم أستاذنا الفيلسوف الذي حدثتك عنه، فأحسست شعورا مزدوجا، سرورا بألم، ورضا بغضب.
لقد كنت أؤمل ليلة خفيفة فيها أكل شهي، ومنظر بهي، وغناء مطرب وتنادر فكه، وراحة من كتب، وفرار من درس؛ فإذا كل هذا الأمل يخيب من هذا الحديث القصير، فقد توقعت درسا في الفلسفة، ومحاضرة في الحكمة، وإن كنت أجهل موضوع الدرس ومدار البحث. فصاحبنا مهما تحدث لا يتحدث إلا فلسفة، وإذا تلقف موضوعا - مهما كان - فهو يعمق فيه إلى ما تحت الطبيعة، أو يعلو فيه إلى ما فوق المادة، وهو قادر على أن يفلسف كل شيء، حتى أبعد المسائل عن الفلسفة، ولكنه في حديثه خفيف الروح، حلو النفس، جيد المحاضرة، حسن التفنن؛ وهذا ما خفف علي بلواي، ثم له علي حق الأستاذية، والأبوة العقلية والروحية، فوطنت نفسي أن أضحي بلذة عيني وسمعي للذة عقلي، وقدرت أني سأنتقل من مكتبة إلى مكتبة، وسأكون في فصل من مدرسة، وإن كان المظهر حفلة عرس ومجال أنس، وذهبت معه وأمري إلى الله. •••
حضارة أمم في دار، ليلها نهار، معرض فنان، وجمال ألوان، وعيد حسان ، وروائح الجنان، وموسيقى تصدح بأعذب الألحان، ووجوه فرحة، ونفوس مرحة، وفي كل ركن وكل حجرة منظر خلاب، من مرح للشباب.
وإذا أنا وشيخي في هذا الحقل اللجب كأننا نشاز في نغم، أو تعويذة في سلك درر.
قال شيخي: ما أنصفنا إذ أتينا، ولو علمت ما جئت، فأنا إذا وجدت هذه المناظر فقدت نفسي. ومع هذا فهمنا في رواية تمثل على مسرح نلهو بمنظرها ولا نشترك في تمثيلها.
وانتحينا ناحية، واسترحت واستراح الشيخ من المقابلات والتحيات والحفاوات، وعادت إليه شهوته للكلام ورغبته في التفلسف، فقال: انظر: كل هذا بعض ما تفعله الغريزة الجنسية. إليها يرجع الفضل في إعجابنا بالألوان البراقة، والأشكال الجذابة، والأصوات الجميلة، بل إليها يرجع في نظري كل فن جميل. فالحفر والتصوير والموسيقى والشعر والنثر الفني وأوزان الشعر وأنواع البديع ما كانت تكون لولا الغريزة الجنسية. وكل ما في اللغة والأدب من وصف الجمال والقبح. والغزل والنصيب. والهجر والوصال، ولذة الحب وألمه مرده إليها، بل وإليها يرجع عالم البيت وعلاقاته وشؤونه من زوجية وأبوة وبنوة. وكل ما يتصل بذلك من ملاذ وآلام، وما تلعب فيه العواطف من حب وبغض، ورضا وغضب، ورحمة وقسوة، وما شئت من أشكال وألوان. - راقب الألاعيب المختلفة أمامك من مرح وضحك، وحركة وسكون، وهرج ومرج، وأناقة في ملبس، وتأنق في حديث، وموسيقى جميلة، سارة وحزينة، وحلل كل ذلك إلى عوامله الأولية، تره الغريزة الجنسية. - بل أخرج من عالمنا هذا الضيق إلى العالم الفسيح، ومن هوائنا غير الطلق إلى الهواء الطلق، تر غناء الطير: من هديل الحمام، إلى سجع القمرى، إلى عندلة العندليب، إلى قطقطة القطا، إلى زقزقة العصفور، إلى نقنقة الدجاجة، إلى نحو ذلك، إنما تبعث عليه الغريزة الجنسية؛ وقل مثل هذا في صهيل الفرس، وحنين الناقة، وخوار البقر.