وهنا تعب الشيخ، فاقترح العودة، ثم قال: هذا سياسي من الصنف الغليظ العقل، قد اتخذ السياسة مغنما، يختار المذهب الذي يرى أنه يدر الربح عليه أكثر، ويتخذ السياسة مصعدا يصعد عليه في ماله وجاهه ونفوذه، وليست السياسة عنده إلا كسب المال أو انتهاز كسبه؛ وهذا سياسي آخر من الصنف الرقيق العقل، مثالي ، يرى السياسة مغرما، وهي ليست إلا وسيلة إلى إصلاح قومه قدر جهده، فهو يضحي لذلك من ماله وزمنه خدمة لمبدئه. وليس الفرق بين الاثنين إلا الفرق بين المزاجين.
ونجد هذين النوعين في الأمم المختلفة راقيها ومنحطها قد يختلفون في العرض، ولكنهم يتحدون في الجوهر.
وكذلك الشأن في الدين.
وكنا قد وصلنا في عودتنا إلى حديقة جميلة في أطراف الضاحية، فوجدنا مقعدا خشبيا فقعدنا، فإذا نظرنا عن قرب فالحشائش الخضراء الجميلة، والنخيل التي تبهر بقوامها اللطيف وغصونها المتهدلة، فإذا مددنا الطرف فالصحراء وما لا نهاية - وبدأ الشيخ يشكو التعب وكبر السن فحركته ليتم حديثه، فسأل: إلى أين وصلنا؟ فقلت: الدين.
قال: نعم، إن الدين كذلك تابع للمزاج، فمهما حارب العلم الدين، ومهما دعا الملاحدة إلى الإلحاد، ومهما قاوموا العقيدة، فالناس في كل عصر قسمان: قسم لا يريد أن يؤمن إلا بالحواس وقواعد المنطق الجافة؛ وقسم يدعوه قلبه إلى الإيمان. ولهؤلاء حجج ولهؤلاء حجج، ولا نظن أن العقل هو الذي يعمل وحده في تأليف الحجج، بل إن المزاج هو الذي يوحي إلى العقل بها وتكوينها وتشكيلها. والتصوف والزهد ليس إلا مزاجا؛ ومهما حاولت أن تجعل من الملحد صوفيا فلن تستطيع، لأن تغيير المزاج في حكم المستحيل. فذو المزاج الذي سميناه «رقيقا» ينظر إلى العالم فيرى فيه أشياء لا تفهم ولا تشرح، فيهيم بها، ولايستطيع أن ينكرها، فيوليها احترامه وتقديسه، على حين أن الغليظ المزاج يتخذ من غموضها وعدم فهمها وسيلة لجحدها. ويحترم كل الاحترام حواسه ومنطقه، فينكر ما وراءها، ويصيح: إن الله، والخلود، والحياة الأخرى، والوحي، وما إلى ذلك لا أحسها ولا أهتدي إليها بالمنطق الصرف، فأنا أنكرها احتراما لحواسي ومنطقي. ويجادله الأول: ما حواسك وما منطقك؟ إنك كلما وثقت بها زدت عمى، وهي ليست إلا وسائل لإدراك التافه من الأمور، وخدمة الشهوات، ومن الحمق والمنطق الرخيص أن تغمض العين عما لم تدركه حواسك وقواعد منطقك، وتحل مشاكله بإنكارك السهل، فيكون مثلك مثل من عجز عن حل مسألة حسابية أو تمارين هندسية ، فأنكر وجودها بدل أن يحاول حلها بأساليب جديدة غير التي جربها - وهكذا، وهكذا، يطول النزاع والجدل، والمسألة في الواقع مسألة مزاج.
وسعل الشيخ سعلة شديدة، احمر منها وجهه ودمعت عينه، فرثيت لحاله؛ ولكن عز علي انقطاع حديثه، فتكلمت كلاما خفيفا في غير الموضوع، حتى عادت إليه نفسه، واستراح نفسه، ثم حركته من جديد، فقلت: ولكن إذا كانت مسألة الدين مسألة مزاج، فكيف تفسر من كفر بعد إيمان، أو آمن بعد كفر؟ أتغير مزاجه، وقد فهمت من قولك استحالة تغييره؟
فسكت قليلا ثم قال: إن أخذت بالظواهر فاعتراضك صحيح، ولكن إن دققت النظر فغير صحيح. إني أعتقد - مثلا - أن الذين لبوا دعوة النبي في أول الأمر كانوا من ذوي المزاج الرقيق الذي ينزع إلى الدين، وكانوا يتدينون في جاهليتهم، فلما جاء الإسلام سهل عليهم التحول من دين غير صحيح إلى دين صحيح، والنزعة الدينية واحدة؛ وهناك بعد قوم أسلموا رغبة في مغنم، أو خوفا من سيف،أو نحو ذلك؛ وأنا لا أنظر في قولي إلى الأشكال، وإنما أنظر إلى القلوب، ويعجبني الحديث: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام»، والحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». إن الذين يؤمنون إيمانا تجاريا خارجون من حسابي، وكذلك الذين يكفرون كفرا تجاريا.