تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد استفدت من مطالعاتي في المنطق أن أحدد موضوعي وأحصر كلامي في نقطة حتى أستوفيها طاقتي، سواء في ذلك إذا أردت أن أفهم أو أردت أن أتحدث، ورأيت ذلك أجدى وأنفع؛ وأكره ما أكره تشتت الذهن في الفهم، وتشقق الحديث في القول - ففي موضوع كهذا نرى أن أسباب الخلاف بين الناس كثيرة بعضها يرجع إلى اللغة، وبعضها يرجع إلى درجة الثقافة، وبعضها يرجع إلى اختلاف الأغراض والشهوات، وبعضها يرجع إلى اختلاف الأمزجة، ونحو ذلك. فأحب إذا تحدثت أن أتحدث في نقطة حتى أستوفيها، ثم أعطف على غيرها، ولا أحب أن أتكلم كلمة من هنا وكلمة من هناك؛ فاختر ما تحب أن نبدأ به.

قلت: فلنبدأ من آخرها، فذلك أشهى إلي.

قال: وهو أيضا أحب إلي.

وكنت ألاحظ أنه يرقب السماء والشمس، وأخيرا أدركت أنه يخشى أن تحول بينه وبين الشمس سحابة تذهب بدفئها وتعرضه للبرد والزكام، فإذا رأى سحابة قدر البعد بينها وبين الشمس، وحسب حساب الزمن الذي تقطعها فيه، فقلت في نفسي: يالله من الكبر؛ وما أقسى الوقوف على ساحل الحياة!

ثم اطمأن إذ ودع آخر سحابة تسير من الغرب إلى الشرق، واستمر في حديثه فقال: هب أن عقل الناس كلهم وتفكيرهم المنطقي واحد، فإنهم في أمزجتهم مختلفون، والفكر الإنساني لا يتكون ولا يظهر في الخارج - بالحديث أو الكتابة - إلا ممزوجا بالمزاج، ويكاد كل إنسان يكون له مزاجه الخاص به. ويتبع ذلك أن يكون لكل إنسان تفكيره الذي يظهر في قوله أو فعله أو كتابته، ولكن - لأجل التقريب فقط - قسم الأستاذ «وليم جيمس» المزاج الإنساني إلى قسمين هامين، ويكاد كل إنسان يكون من أحد هذين القسمين: «غليظ العقل» و«رقيق العقل»، كما نقول: غليظ القلب، ورقيق القلب؛ ولكل منهما مظاهر، فغليظ العقل - عادة - واقعي يؤمن بما يعتمد على التجربة والاختبار والحواس فقط، مادي، متشائم، ملحد، متعصب شره، شكاك.

وعلى العكس من ذلك أخوه «رقيق العقل» مثالي، متفائل، متدين، حر الفكر، قانع، مطمئن إلى عقائده.

وقد يتلون الناس ألوانا مختلفة، ولكن إذا حللت ألوانهم رأيتها ترجع في النهاية إلى هذين اللونين.

ولهذا ترى أن الناس - فيما يختارون من المذاهب الدينية والفلسفية، بل والسياسية، وما ينظرون إليه فيما يعرض عليهم من المسائل اليومية، ونظراتهم إلى الله وإلى الحياة، وعواطفهم وميولهم وأخلاقهم - متأثرون بما فطروا عليه من أحد هذين المزاجين أكثر من تأثرهم بفكرهم المنطقي المجرد.

من أجل هذا كان الوجود كله معروضا أمام الناس كلهم على السواء، ولكن كل يقرؤه بعينه الخاصة، ويشعر به بشعوره الخاص، وكل ينجذب إلى أشياء لا ينجذب إليها الآخر، ولا سبب لهذا إلا عقله الغليظ أو الرقيق، ومزاجه الطبيعي المفطور عليه.

هذا الشاعر الذي لا يرى في الحقل إلا جماله، لا يرى فيه المالي إلا غلته؛ وهذه جماعة تنظر كلها إلى امرأة واحدة، ينظر أحدهم إلى جمالها الظاهر من جسمها فيهيم بها، وينظر الآخر إلى سوء حديثها وقبح معانيها فينفر منها، ويقومها الثالث حسب ثروتها وما ينتظر أن تناله من ميراث أبويها فيحبها أو يكرهها، حسب علمه بمالها، ولا يقومها الرابع إلا بمقدار صلاحيتها لأن تكون ربة بيت، ومربية نسل، والمرأة المرأة، وإنما اختلف النظر، وإنما اختلف النظر باختلاف المزاج؛ وقديما قالوا: «كل يغني على ليلاه».

أرأيت الأكل أصنافا وألوانا، يستورد كل يوم لحديقة الحيوان من حشائش وبقول ولحوم، ثم يأكل كل صنف من الطيور والحيوان ما يتفق وطبيعته؟!

أو رأيت الأسواق العامة للمأكل والملبس والمشرب؟ يأتي إليها الناس فيتخيرون ما يشترون، كل حسب مزاجه، ويعجب كل كيف اختار غيره غير ما اختاره؛ كذلك الشأن في الآراء السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية، إنما يقع عليها الشخص منجذبا بمزاجه لا بمنطقه، ثم من غفلته يظن أنه حر الإرادة حر الاختيار.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥١١