تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للغة أساليب مختلفة في أداء المعنى الواحد؛ فهناك دلالة تصريحية، وهناك دلالة تضمينية، فإذا أراد أحد أن يقترض منك، فقلت له: «لا أقرضك» فهذه دلالة تصريحية، وإذا قلت له: «ليس عندي نقود» أو «إني مدين» أو «قد كنت فكرت أن أطلب منك ما تطلب مني»، فهذه كلها تدل على عدم الإقراض بطريق التضمين - واللغة ترتقي من طريق الدلالة التضمينية أكثر مما ترتقي من طريق الدلالة التصريحية، وكلما ارتقى ذوق الفرد أو الأمة شعر أن ما يناسبه هو التلميح لا التصريح. والدلالة التضمينية لا الدلالة التصريحية - وهذا من أهم الفروق بين لغة العلم ولغة الأدب، فلغة العلم أقرب ما تكون إلى الدلالة التصريحية، ولغة الأدب تسودها الدلالة التضمينية - لغة المعادلات الجبرية وشرح النظريات الهندسية، وقوانين الطبيعة والكيميا لغة تصريحية، ولغة الشعر لغة تضمينية؛ والمجازات والاستعارات والتشبيهات والكنايات كلها دلالات تضمينية.

وقد دل البحث النفسي، على أن استمالة النفس من طريق الدلالات التضمينية أقوى وأفعل من الدلالة التصريحية، ولذلك كانت الدلالة التضمينية لغة الخطباء والأدباء والشعراء والوعاظ ورجال السياسة ورجال الدين؛ فالقصص ذات المغزى، والعبرة بأخبار الأولين، والأساطير الرمزية كأساطير اليونان، وتحريك الوطنية بالشواهد والأمثال، وتحميس الأمة للمشروعات الاقتصادية والاجتماعية، ونداء المصلحين، كل هذه تعتمد على الدلالة التضمينية أكثر مما نعتمد على الدلالة التصريحية لهذا السبب النفسي، وهو أن النفس أكثر استمالة من هذا الطريق. والسبب في هذا على ما يظهر أن الأوامر والنواهي العريانة تشعر المأمور والمنهي بالضعة، ولذلك كان أقصى أنواع الزجر الأمر الصريح، «كامش، واخرج، واذهب»، مصحوبة بالنغمة التي تدل على تعالي الآمر؛ أما في الدلالة التضمينية فقد سمح المتكلم للمخاطب باستعمال عقله في الاستنتاج وفهم الأمر من طريق خفي، فإذا هو استنتج الأمر فكأنما هو الآمر لنفسه، وهو إذا أمر نفسه لم تكن هناك غضاضة عليه، وهذا يوضح لنا ما للعلاقة القوية بين اللغة والتفكير والخيال والإرادة.

ونكتفي اليوم بهذا القدر من الخطرات اللغوية، وسنتبعها بمثلها إن شاء الله.

| في الهواء الطلق(4)1

كانت الرحلة هذه المرة إلى رجل كبير قد طوى مراحل الشباب، وصحب الأيام الخالية، تقوس ظهره وأعوجت قناته من طول ما حمل من أعباء العيش؛ خبر الحياة حلوها ومرها، وعرف حياة الفلاح في حقله. والموظف في مناصبه المختلفة، ومكنته ظروفه أن يخالط الأعيان ويدرس أحوالهم، والطبقة الأرستقراطية ويعرف تقاليدهم، وقوانينهم وتزمتهم، ورجال السياسة واتجاهاتهم وأساليب تفكيرهم وتهريجهم، وشاهد معامع خلافاتهم، وانغمس في تيارهم، ثم نفض يده من كل شؤونهم؛ وفي طول حياته يجاري الحركة الفكرية والأدبية والفلسفية في الشرق والغرب، ويتذوقها وينقدها، ويدلي بآرائه فيها.

زرته في ضاحية من ضواحي القاهرة ضحى، والجو بارد، والشمس جميلة تبعث بدفئها فتنعش النفس، وترد الحياة.

تبادلنا التحية، وتكلمنا في الجو والبرد، والسياسة والحرب؛ ثم قال: هل لك في مشية خفيفة في هذه الشمس اللطيفة؟ فقلت: أنعم بها وأكرم، وسحب عصاه.

وبعد قليل كنا في الهواء الطلق، والجو النقي، والسماء الصافية، والشمس الساطعة؛ وتنقلنا في الحديث إلى أن وصلنا إلى العجب من اختلاف الناس في آرائهم، وتعدد اتجاهاتهم في تفكيرهم، وكيف يلعب بالحق ويخفى وجه الصواب؛ فحركت من الشيخ كامن شجنه، وعميق فكره، فقال: إن الخلاف في الرأي يرجع - في نظري - إلى أسباب كثيرة؛ وهو موضوع لطيف، قرأت فيه بعض كتب إفرنجية، وجربت فيه تجارب شخصية، ولا يزال يعلق شيء منها بذهني الذي أدركته الشيخوخة، ولعلها قوسته كلما قوست ظهري، وشيبته كما شيبت رأسي، فأصبح يرى الأمور كما يراها الناظر خلال منظاره، ومع ذلك فمن الذي يستطيع أن ينظر إلى العالم مجردا من منظار؟ إن كل إنسان ينظر إليه من خلال منظاره الأحمر أو الأصفر أو الأسود أو الأبيض؛ وللشباب منظاره، وللشيخ مناظره؛ وكل إنسان ينظر إلى العالم من خلاله، وتحول بينه وبين إدراك الحقيقة شهواته أحيانا، وكل يسمي ما يراه الحق.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥١٠