من أسباب وقوع الناس في الخطأ اللغوي عدم دقتهم في الاستنتاج؛ فهناك عقول تستنتج من الجملة أكثر مما يلزم، وهناك عقول تستنتج منها أقل مما يلزم، وكلاهما خطأ - إذا قلت: إن «الغول مرعب» فاستنتجت منه أني أقول: إن الغول موجود، فقد اخطأت، واستنتجت أكثر مما يلزم؛ لأن الخيال قد يرعب، والوهم قد يرعب، ولو لم يكن الشيء موجودا. وإذا حدثتك عن فرس بأنه أشهب، فاستنتجت أني أقول إنه موجود، كان استنتاجك صحيحا. ومن الناس من لا يفرق بين القضيتين - وليس الأمر مقصورا على الجمل، بل دلالة الألفاظ على المعاني تختلف جد الاختلاف بين الأشخاص بحسب مدنيتهم وثقافتهم وعقليتهم، فإذا قلت: «كرسي» لم يكن معناه عند الفلاح القروي كمعناه عند المدني المتحضر، وكذلك الشأن في كلمة «بيت»، و«دولاب»، و«سرير»؛ وإذا قلت: «علم الحساب» فمفهومها عند الصانع المتعلم تعلما بسيطا ليس كالمعنى الذي يفهمه العالم بالرياضيات، وهكذا، وهذا ما يجعل الناس إذا اختلفت مدنياتهم وعقلياتهم وثقافتهم لا يتفاهمون تفاهما صحيحا. ومن أسباب ذلك عدم دلالة الألفاظ على معان واحدة في الرءوس المختلفة، ولا تصدق أن معاجم اللغة تستطيع أن تشرح دلالة الألفاظ شرحا تاما صحيحا، فلكل كلمة هالة غير معناها الأصلي يعجز المعجم عن شرحها، فدنيا الأطفال التي تعين على شرح الألفاظ غير دنيا الرجال، ودنيا الفلاح غير دنيا المتمدن، ودنيا الجاهل غير دنيا العالم، وكل يفسر الألفاظ حسب دنياه. (3)
يتصل بهذا أن كل لفظ من ألفاظ اللغة يوحي بأشياء تختلف باختلاف الأشخاص حسب بيئتهم وتجاربهم في الحياة وغير ذلك، فكلمة أبيض توحي إلى الفلاح باللبن، وقد توحي إلى الطفل بالسكر، وقد توحي إلى سكان البلاد الباردة بالثلج، وكلمة «وزير» توحي إلى الشرقيين بمعان غير ما توحي بها عند الغربيين؛ وكلمة «العيد» توحي إلى الأطفال بمعنى الثياب الجديدة والأراجيح، وعند أطفال آخرين بالهدايا تهدى إليهم، وعند الرجال بالزيارات والتهنئات الخ؛ ولكمة «البرلمان» و«نظام الحكم» توحي بمعان مختلفة في الأفراد المختلفة والأمم المختلفة. وهذا سبب آخر من أسباب الاختلاف بين الناس في الإفهام والفهم، فوحي الألفاظ عند الناس يختلف اختلافا كبيرا.
بل قد يكون اللفظ يوحي بمعنى عند الناس في عصر لارتباطه بحادثة أو نادرة، فإذا نسيت الحادثة انقطع وحي اللفظ، فمنذ حين كانت كلمة «تعديل الأساس»، و«ردم البرك»، و«الحكم الصالح» تستثير منا الضحك لإيحائها بمعان خاصة في ظروف خاصة، فلما زال الإيحاء زال التأثير - أعتقد أنا فقدنا كثيرا من كتب الجاحظ وقطع الأدب الاجتماعي؛ لأن بعض ألفاظها وجملها كانت توحي بمعان معروفة، فلما تقادم الزمن جهلت فبطل سحرها - إن شئت فاقرأ رسالة التربيع والتدوير للجاحظ، وهي تدور حول السخرية من «أحمد ابن عبد الوهاب» تشعر بغموض في بعض الجمل والإشارات، وسبب وغموضها أنها كانت إشارات إلى أشياء مفهومة في زمنها، ثم انقطع وحيها فغمض معناها. (4)
ما وظيفة اللغة؟ يخطئ من يظن أن اللغة تؤدي غرضا واحدا، وهو نقل المعنى من ذهن، فلها أغراض أخرى كثيرة قد يصعب حصرها، وقد يبعد إدراكها؛ فمن أعجب أغراضها أنها أحيانا تستعمل لتخدير الأعصاب، كتعزيمات السحرة مثل ألفاظ «شمهورش»، و«جلجلوت»، ونحو ذلك، فهي لا تؤدي معنى، ولكن تخدر الأعصاب بغرابتها وتأليف حروفها، ولذلك لا يصح أن نحاول كثيرا فهم سجع الكهان فهما تاما، فهي لم يقصد منها الإفهام التام بقدر ما قصد منها التخدير، والمعاني المحلولة؛ وأحيانا يقصد بالألفاظ مجرد ما توحيه من نغمات موسيقية لها أثرها النفسي كأثر الموسيقى - ولذلك لم تكن تخلو الأدعية الدينية - إذا تليت في المعابد بلغة أجنبية - من أثر قد يكون بالغا، لأن الألفاظ توحي بمعان سحرية موسيقية، وإن لم تفهم معانيها الأصلية، وهذه لغة الإنسان الأول كانت صيحات متشابهة اللفظ، ولكنها أحيانا تدل على الخوف، وأحيانا على الغضب، وأحيانا على طلب النجدة، وأحيانا على التحذير من خطر، وإنما تختلف دلالتها باختلاف موسيقاها، وكذلك كان الشعر في أول أمره، غامض المعنى، دالا بالموسيقى - فليس نقل المعنى من ذهن إلى ذهن هو الغرض الوحيد، إلا في الكتب التعليمية في العلوم، والحوادث المحية في الجرائد، وجدول الضرب، وقانون اللوغاريتم، ونحو ذلك، مما ليس فيه اتصال ما بين المؤلف وعواطف القارئ. (5)