تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك أوامر المعلمين لتلاميذهم بأن يلتفتوا إلى الدرس، ويؤدوا الواجبات في منازلهم في حينها، وهي أوامر حالها كحال أوامر الوعاظ.

وهناك أوامر «العسكري» حين يجاوز المرور إلى الباعئين والبائعات، وحينئذ يفقد سلطانه، وتصبح أوامره أضيع من أوامر المعلمين.

وهناك أوامر التسعيرة في تحديد أثمان السكر والورق، وما إلى السكر والورق، ولا أستطيع أن أقول فيها شيئا.

وإذا كانت الأوامر تختلف هذا الاختلاف، فواجب علم النحو الحديث أن يقسم فعل الأمر إلى أقسام متعددة، ففعل أمر بوليسي، وفعل أمر تعليمي وفعل أمر تمويني الخ، لأن لكل عصر نحوه وتصريفه. •••

وانتقلت بعد ذلك من فعل الأمر في علم النحو إلى فعل الأمر في علم النفس، فمعلم يأمر فيطاع، ومعلم يأمر فيعصى، والأمران متشابهان، والتلاميذ واحدة حتى قد يكونون في فصل واحد؛ وواعظ يأمر فيبكى، وآخر يأمر فيستهزأ به، وقد يكون كلمهما دائرا على معنى واحد؛ وأب يأمر فيطاع، وأب يأمر فيعصى.

وخرجت من ذلك إلى أن فعل الأمر وحده لا يكفي في التنفيذ، وإنما يحمل على التنفيذ أمران ممتزجان أتم الامتزاج، فعل الأمر ونفسية الآمر، فإذا كانت نفسية الآخر نفسية قوية وجدت السامع تتخاذل نفسه أمام الأمر، وأحس أنه أمام قوة كهربائية هائلة، فاضطر إلى تنفيذ فعل الأمر رغم أنفه؛ وإذا كان فعل الأمر صادرا من نفسية ضعيفة، أوعز هذا الضعف إلى السامع العصيان أو الاستخفاف - ذلك أن النفس الإنسانية مولعة بحب الأمر، لأنه مظهر السلطة؛ حتى الأطفال في ألعابهم يسرهم أن يمثلوا في بيوتهم مع الخدم أو نحوهم موقف المعلم أو الأب في أمره ونهيه؛ والنفس الإنسانية أيضا مولعة بالعصيان، لأنه إذا كان الأمر والنهي مظهر السلطة والشخصية، فالطاعة والامتثال مظهر ضياع الشخصية؛ لذلك كانت النفس أميل إلى العصيان ما لم تشعر بقوة الآخر وسلطان الناهي. وفعل الأمر والنهي في ذاته لا قيمة له، فهو لفظ سيال، ينتهي بمجرد النطق، وإنما الأثر الحقيقي أثر النفس، فهي التي تضيق على المأمور الخناق حتى تلزمه التنفيذ.

وشيء آخر، وهو أن المأمورين والمنهيين عندهم حاسة عجيبة يدركون بها تمام الإدراك حال الآمر والناهي من صدق أو تهريج، ومن حرارة قلب أو برودة نفس، ومن إخلاص أو نفاق، فإن شعروا بالصدق والحرارة والإخلاص خضعوا، لأن ذلك كله قوة ملزمة، وإن شعروا بالتهريج والنفاق تنمروا، لأن ذلك ضعف يتستر بالقوة، فإذا نفذوا وراء الستار أدركوا حقيقة الضعف. •••

ثم انتبهت من تفكيري، فإذا أنا قد جاوزت عسكري المرور بمراحل، وضللت قصدي من غير وعي، فقلت: كم يجني فعل الأمر!

| خطرات في اللغة

(1)

لاحظت أن اللغة تؤدي معانيها في دقة وإحكام في مواد العلوم كالرياضة، والطبيعة، والكيمياء، ومصطلحاتها مضبوطة قل أن يعتريها غموض أو إبهام، وقريب من ذلك التاريخ، فاللغة قادرة على أداء معانيه وحمل رسالته أداء حسنا، وإن لم تبلغ في ذلك مبلغ العلم؛ فإذا نحن جاوزنا ذلك إلى الفلسفة والأدب، رأينا اللغة مسكينة عاجزة عن أداء المعاني في وضوح وضبط وإحكام، حتى المصطلحات، من الصعب تعريفها وضبطها، فما أصعب أن تعرف «الوجود»، و«الحقيقة»، و«ما وراء الطبيعة»، وما إلى ذلك، وما أصعب ما تعرف «الشعر» «والأدب» و«الخيال» ونحوها؛ وكذلك في فروع الفلسفة والأدب، فمن الصعب تعريف «الجمال والجميل»، و«الفضيلة والرذيلة»، و«الزمان والمكان» و«العدل والحرية»؛ ومن العسير تعريف «القصة والرواية والمثل»؛ وما أكثر ما يقع الناس في الجدل والحجاج؛ لأن كلا يتكلم وفي ذهنه معنى للشيء غير ما عند الآخر، ولو اتفقوا على التحديد لاتفقوا على النتائج! ولا أنسى حادثة رويت لي، وهو أنه - منذ سنين - أرادت حكومة العراق التعاقد مع الحكومة المصرية بالمراسلة والخطابات، فكان الاتفاق مستحيلا؛ لأن كلتا الحكومتين كان لها معنى خاص في مصطلحاتها لا تفهمه الأخرى، ولم يتم الاتفاق حتى تمت المشافهة والاتفاق على معاني المصطلحات. وسمعت محاضرة لفاضل عراقي في التربية، فثار جدل حول الموضوع تبين أن سببه الاختلاف في المصطلحات، فهم يطلقون اسم «المدارس الداخلية» على غير ما نطلق، ويسمون «الفصل» ما نسميه نحن بالسنة، ويسمون الترفيعات ما نسميه نحن بالترقيات، ويسمون «مدارس الحضانة» ما نسميه نحن برياض الأطفال؛ وهكذا. (2)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠٨