إني امرؤ عافى أنائى شركة
وأنت امرؤ عافى أناثك واحد
19
أتهزأ مني أن سمنت وقد ترى
بجسمي مس الحق والحق جاهد
20
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد
21
لعل هذه المعاني النبيلة وأكثر منها هي التي جعلت معاوية يتمنى أن يصاهره، وعبد الملك يتمنى عروة أن يكون أباه؛ وهذا سمو في تفكير معاوية وعبد الملك عظيم، وتقدير لمعاني النبل كبير.
| في الطريق
مررت أمس في الشارع فرأيت «عسكري المرور» يرفع يده أو يصفر، فيقف كل من في جانب، ويتحرك كل من في جانب، ولا من يجرؤ على مخالفته، كأن في يده عصا سحرية ترغم على الطاعة.
الحوذيون يطيعون، وسائقو السيارات بما يحملون من بكوات وباشاوات وآنسات وسيدات يطيعون، والمارة على أرجلهم يطيعون، فما كل هذه العظمة؟
ليت هذا السحر في لسان المعلم، يأمر وينهي تلاميذه فيطيعون، فإني أرني لجالهم يأمرون فيعصون، وينهون فيعصون، وهم وتلاميذهم في نزاع دائم، وحرب مستمرة، ويذهب المعلم آخر النهار كأنه ضرب مائة سوط من كثرة المحاكمة والمخاصمة.
وليت هذا السحر كان للمصلحين، فقد بح صوتهم ولم يسمع نداؤهم، فطالما قالوا للأغنياء تبرعوا للفقراء فلم يتبرعوا، وللكسالى جدوا فلم يجدوا، وللحكام اعدلوا فلم يعدلوا، وذهبت أقوالهم في الصحف والمجلات والكتب والخطب أدراج الرياح، ولو منحت أقلامهم وألسنتهم قوة «عسكري المرور» لصلحت الأمور في لحظة، وتقدمت الأمة ألف خطوة في لمحة.
وليت هذا السحر كان للآباء والأمهات في البيوت، فإنا نجد الأسرة نارا متقدة، ونزاعا حاميا، يأمر الأب فيعصي الابن، وتنهى الأم فتخالف البنت، فلو كانت لهم سلطة في البيت كسلطة «عسكري المرور» لشملت البيت السعادة ولفته الطمأنينة والهدوء.
وليت للحكومة هذا السحر تصدر أوامرها فلا يتلاعب فيها، وتصدر التعليمات في التموين وغير التموين فلا يتحايل في العبث بها، كما لا يستطيع أن يتلاعب المارة بأوامر «عسكري المرور».
الحق أن هذا السحر حيرني في تعليله!
الشخصية (عسكري المرور؟) كلا! فمنهم ضعاف الشخصية ويسمع لقولهم كأقوياء الشخصية سواء بسواء، حتى لو استعضت عن هذا العسكري بقطعة زجاج ملونة حمراء وخضراء وراءها مصباح عادي لكان لها هذا السحر.
أم لأن وراء العسكري قوة القانون؟ وهذا أيضا غير صحيح، فقوة القانون وراء كل الأوامر التي تصدرها الحكومة، ومع ذلك تخالف سرا وجهرا، ويتحايل على الهرب من أوامرها ونواهيها حيلا لا تحصى.
قلت ربما كان السبب أن تنفيذه تحت سمع الجمهور وبصره، فمخالفته مخالفة صريحة وراءها العقوبة الحتمية السريعة وهي ازدراء الجمهور للمخالف؛ ثم وجدت أيضا أن هذا لا يكفي، فالجمهور بحمد الله ليس له من القوة ما يخيف، وليس له من الغيرة على تنفيذ القوانين ما يخجل من مخالفتها.
وقلت: لعل السبب تعرض المخالف للخطر! ولكن رأيت هذا الأمر يطاع حتى في ساعة قلة الازدحام وعدم احتمال الخطر.
وأخيرا حرت في بيان السبب فتركته للقراء.
انتقل ذهني بعد ذلك - بحكم تداعي المعاني - إلى مسألة متصلة بها، وهي هل الأوامر والنواهي تختلف قوة وضعفا؟ ولماذا واللغة واحدة والفعل فعل أمر، ولا لا الناهية، والنحويون لم يفرقوا بين أمر وأمر، ونهي ونهي، ففعل الأمر مبني دائما، وفعل النهي مجزوم أبدا؟ ومع هذا نرى دنيا الواقع تخالف دنيا النحو.
فهناك أمر عسكري المرور، وهو في القمة من الحتم والجزم وقوة التنفيذ.
وهناك أمر الطبيب ونهيه للمريض بأن يأكل كذا ويمتنع عن كذا، وهي أوامر ونواه قوية، ولكنها لا تبلغ قوة الأول، فكثيرا ما يهزأ بها المريض ولا يعيرها اهتماما، ومع ذلك فلها قوتها على قدر رغبة المريض في الصحة وإيمانه بالطبيب.
وهناك أوامر الواعظين في المساجد والمجتمعات العامة، وما أضيعها!