تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بها قبل ألا أملك البيع مشتري

أحاديث تبقى والفتى غير خالد

إذا هو أمسى هامة فوق صير

15

ذريني أطوف في البلاد لعلني

أخليك أو أغنيك عن سوء محضر

فإن فاز سهم للمنية لم أكن

جزوعا وهل عن ذاك من متأخر؟

وإن فاز سهم كفكم عن مقاعد

لكم خلف أدبار البيوت ومنظر

كان عروة اشتراكيا عمليا، لا اشتراكيا نظريا فحسب، يذكرنا بتولستوي على بعد ما بينهما في البداوة والحضارة، والأمية والثقافة، والزمن بين القرن السادس والتاسع عشر؛ ولكن الروح النبيلة فيهما واحدة فقد حمل «عروة» عبء الفقراء في قبيلته، وآلى ألا يستريح حياته أو يجدوا كفايتهم، وألف منهم فرقة تعمل معه وتسعى سعيه، وما نالوا فهو للجميع، ونفسه لا تهدأ من الشعور بهذا العبء:

ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا

من المال يطرح نفسه كل مطرح

ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة

ومبلغ نفس عذرها مثل منجح

وليس عياله هم أولاده كما نفهم نحن اليوم، ولكن من يعولهم من أهله وفقراء قومه، كما تدل عليه سيرته.

وقد جمع «عروة» فقراء قومه حوله، وبنى لهم حظيرة يقيمون فيها، وهو يغزو بأشدائهم أعداءه وأعداءهم، فما جمع وجمعوا فرقة عليهم ، وساوى بين نفسه وبينهم، وسماهم اسما إن كان قبيحا اليوم فلم يكن قبيحا في عهده، سماهم «أصحاب الكنيف»، «الكنيف» الحظيرة تقام من الشجر فتقي من فيها الريح والتراب والبرد.

وكان له في الهجمات والغزوات رأي لطيف، وهو تقصي حال من ينوي غزوهم، فإن كانوا كرما، سمحا، تركهم ولم يغر عليهم، وإن كانوا أشحاء بخلاء أدنياء، تعمد غزوهم، وسلبهم ما في أيديهم، وأعطاه لأصحاب الحظيرة.

يحدثنا الرواة عن حادثة طريفة حدثت له، فقد كان «عروة» حياته في جهد متواصل من الغزو والقتال، وهذه هي أهم وسيلة من وسائل العيش في ذلك العهد، وكان إذا أصاب إبلا أطعم أصحاب الحظيرة منها، وقسمها عليهم قسمة عادلة، وأخذ لنفسه نصيبا مثل نصيب أحدهم؛ فأغار يوما ونال إبلا كثيرة، وسبى امرأة، فقسم الإبل بينهم، وأراد أن يستخلص المرأة لنفسه، فأتوا عليه حتى يطبق الاشتراكية تطبيقا دقيقا، وطلبوا إليه أن يقوم المرأة بالإبل ويجعلها سهما، فمن شاء أخذها ومن شاء تركها، أما أن يستصفيها لنفسه فلا. فغضب «عروة» أشد الغضب، وفكر أن يهد الحظيرة على من فيها، وينزع منهم ما أسدى إليهم، ويقتل من أبى عليه منهم، ولكن رجعت إليه نفسه الخيرة فقال: «إن فعلت أفسدت ما صنعت»؛ ثم نزل على حكمهم وترك المرأة لهم، وشكا في شعره الناس ونفسيتهم، يقول فيه إنهم كسائر الناس، ضعاف إذا جاعوا، لئام إذا شبعوا؛ وإني وإياهم كالأم والرءوم على ولدها الصغير ترضعه وتحمله، وتغذيه وتلببه، وترهن له ماء عينيها، حتى إذا تم شبابه، وأدرك خيره تزوج، فقلبت الزوجة الأم على ابنها، وسلبته قلبه بما تطيب له وتزين فحارت الأم في أمرها، إما أن تخسر ابنها إذا تنكرت له، أو تصبر على الألم من أن تكون زوجته آثر عنده منها، فدفعتها الشفقة أن تختار الثانية، وهذا ما كان منه مع أصحاب الحظيرة، فذلك قوله:

ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم

كما الناس لما أخصبوا وتمولوا

وإني لمدفوع إلى ولاؤهم

بماوان إذ نمشي وإذ نتملل

16 •••

فإني وإياكم كذي الأم أرهنت

له ماء عينيها تفدى ونحمل

فلما ترجت نفعه وشبابه

أتت دونها أخرى جديد تكحل

فباتت لحد المرفقين كليهما

توحوح مما نابها وتولول

17

تخير من أمرين ليسا بغبطة

هو الثكل إلا أنها قد تجمل

18 •••

أكبر ميزة لعروة أنه كان رجلا، وكان يشعر بالناس أكثر مما يشعر بنفسه، واخترع لذلك المعنى التعبير الفني الجميل «أقسم جسمي في جسوم كثيرة»، أي أقسم ما يلزم لجسمي من طعام في أجسام الناس، ثم هو لا يعبأ بهزاله إذا سمن قومه، ولا يعبأ بالأعباء يحملها لتخفيفها عن عشيرته، وقد لخص هذه النظرات في وصف نفسه بقوله:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠٦