تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكل ما يباشره الإنسان ويتصل به يكون جزءا من نفسه؛ فبيتك الذي تسكنه، وأثاث منزلك ومالك وثروتك، كل هذا يتحد مع نفسك ويكون جزءا منها، من تعدى عليه فقد تعدى على نفسك، ومن عاب بيتك أو أثاثك أو صناعتك فقد عاب نفسك، ومن مدحها فقد مدح نفسك، وهكذا.

وهكذا الشأن في المعنويات، فمن ضروب توسيع النفس وسعادتها اتصالها بنفس مثلها، فقد تشعر النفس بضيق وظلام حتى تجد نفسا تألفها، فتشعر بالسعة بسد الضيق، والنور بعد الظلمة، وتشعر بلذة التجاوب بين النفسين، والتناغم بين الروحين، وهذا هو سر السعادة في الصداقة، والسعادة في الحب؛ فالنفس تشعر بسعتها، وأن نفسا أخرى انضمت إلى نفسها وتكونت منهما وحدة، تسعد كل بسعادة الأخرى، وتكمل كل نفس الأخرى، وتستمد كل نفس قوة من النفس الأخرى، وربما استطاعا بامتزاجهما أن ينتجا شيئا لا تستطيع أن تنتجه كلتاهما ولا هما معا غير ممتزجين، كالعنصرين يمتزجان فيكونان عنصرا جديدا ليس أحدهما وليس هما معا متفرقين منفصلين. وعمل الأنبياء والمصلحين أن يوحدوا الغرض بين النفوس، ويعملوا بتعاليمهم على توحيدها، فإذا الجمعية الأولى المتلفة حول النبي أو المصلح متحدة كأنها نفس واحدة، واسعة لأن كل نفس تشربت سائر النفوس، وإذا ما يصدر عنها مجتمعة يستدعي العجب. ومما ينشده كبار المصلحين المتفائلين في العالم تحقيق نظم اجتماعية وسياسية إنسانية تدرك هذه الحقيقة، فتوسع النفوس بالتوحيد بين أغراضها، والتأليف بين قواها، والقضاء على عناصر التفريق من وطنية وعصبية ودينية وقومية وجنسية ولغوية، حتى تتسع النفوس إلى أقصى حد ممكن، وتتجه كلها لخير الإنسانية على السواء، وإذ ذاك يقفز المجتمع الإنساني والمدنية قفزة لم يرها التاريخ؛ لأن التاريخ في جميع عصوره كان معوقا بالعصبيات القبلية والقومية، والحدود الجغرافية، والنزعات الوطنية والجنسية، والخلافات الدينية، وكلها مظاهر لضيق النفس.

ومن مزايا الدين توسيع النفس، وهو ما عبر عنه الإسلام بانشراح الصدر؛ ولعلك صادفت في حياتك أناسا ضاق صدرهم، وتغلب عليهم الشعور بأن القدر يعاكسهم، والحظ يعبس في وجوههم، وأنه كلما سلكوا طريقا سد أمامهم. إن الدين كفيل بإزالة هذا الشعور، وشرح الصدر وتوسيع النفس؛ فالمؤمن يشعر شعورا عميقا بأن قوة تؤيده وتكتسح الصعاب أمامه، وهو يشعر بانهدام السدود والحدود في طريقه، وهو يشعر بانعدام الزمان والمكان بضمه عالم الغيب إلى عالم الشهادة، واتصال الحياة الأخرى بالحياة الأولى، فهو واسع الرجاء، لا يعوق نظره عائق، ينجذب إلى عالم علوي فيه السعادة وفيه الرضا وفيه الطمأنينة. الدين الحق يغير النفسية فينقلها من عالم ضيق محدود إلى عالم فسيح غير محدود، كالذي حدث في عباد الأصنام في الجاهلية لما انتقلوا إلى الإسلام؛ فشتان بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وخالد بن الوليد الجاهليين، وبينهم أنفسهم وهم إسلاميون! ما أضيق نفسهم في حياتهم الأولى وما أوسعها في الثانية! وكما أفادهم الدين سعة نفس أفادهم قوة نفس؛ فمحال أن كان الجاهليون من العرب يفتحون ما فتحوا وينتصرون ما انتصروا إذا بقوا على دينهم الأول، ولو تجمعوا حول قائد حربي كبير؛ فإن انتصارهم يرجع إلى سببين كبيرين: التوفيق في اختيار قوادهم، وأهم من ذلك العقيدة بأنهم مؤيدون بقوة من عند ربهم. الدين هو الذي فتح أمامهم الأفق، وملأهم روحا للعمل؛ بل هو الذي غير موقفهم نحو الحياة، فجعل من الجبان شجاعا، ومن البخيل سمحا، ومن الشاك مؤمنا، ومن الجزوع مطمئنا - قد كانت النفوس قبله مكبلة ببعض أوهام من غضب الصم ورضاه، ومن عادات وتقاليد تشل العقل وتقيد الروح، فلما آمنت بإله واحد فوق كل شيء يرضيه الخير ويغضبه الشر، سمت سموا كبيرا. وفساد الدين يأتي من التعاليم التي تضيق النفس، وتحجبها عن عالمها العلوي الفسيح - فالنفس إذا اعتقدت في الخرافات ضاق حيزها، وإذا امتلأت رعبا وفزعا من النار وعذابها ارتبك حالها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠٣