تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أكبر ما أفسد الدين - في نظري - تزمت رجال الدين ومبالغتهم في وصف الله - تعالى - وصفا مخيفا مرعبا، بدل أن يصفوه - كما وصف نفسه - رحمانا رحيما يعفو عن كثير. وقادهم هذا النظر إلى التخويف من كل نعيم الحياة، حتى قالوا إن الضحكة يؤاخذ عليها، والأكلة الطيبة. وضع الحساب، ونادوا أن لا غناء ولا فرح، ولا سرور بالحياة - ما هذا كله؟ وكل ذلك يفسد النفس ويخلق منها مزاجا شيئا لا يصلح للحياة! إن الدين الحق يتفتح للحياة الدنيا كما يتفتح للحياة الأخرى، ويكون أساسه حب الله الذي يحب الناس، وأن في الدنيا جنة وفي الأخرى جنة. إن التزمات في الدين مغالاة في الحكمة حتى تعود سخفا، وحتى تحطم الحياة. الدين الحق يدخل السرور على القلب والنشاط على النفس؛ أما الحزن والخوف فيضيق الصدر، ويشل النفس ويبعث السأم. أصبحت الصورة التي يرسمها رجال الدين للمتدين - مع الأسف - صورة رجل منكس الرأس تواضعا، مملوء القلب رعبا، زاهد في النجاح في الحياة الدنيا طمعا في الحياة الأخرى، مغمور بالكرب خوفا من الموت وما بعد الموت، راغب عن متع الحياة، شديد المحاسبة لنفسه في كل ما يأتي وما يذر، عابس في وجه الحياة خوف أن تضله، منهمك في العبادة غير عابئ بحقوق الناس، يفر من الصوت الجميل، ومن الملبس الجميل، والنظافة الجميلة، والفكاهة الحلوة، إلى نحو ذلك.

وهذه الصورة التي رسمها بعض رجال الدين وزادوا فيها على اختلاف العصور تنتهي إلى رجل ضيق الأفق حرج الصدر لا يصلح للحياة، يستغل ولا يستغل ويحكم ولا يحكم، ويذل ولا يعتز، وفي ظني أنه يشقى في الدنيا ولا يسعد في الآخرة؛ فلو أراد الله منا العمل للآخرة وحدها، لاستغنى عن وجود الدنيا واختصرها - إنما الصورة الصحيحة للرجل الصالح رجل أحب الله أكثر مما خافه، وأحب الناس من حبه لله، وتفتحت نفسه للدنيا كما تفتحت للآخرة، ربط دينه بإسعاد الناس والتخفيف من متاعبهم، يضحك ويواسي، ويصلي ويتقن عمله، ويحسن علاقته بالله وبالناس، ويبسم للحياة ولا بأس بالموت إذا الموت نزل، ويرى الخير في أن يكون في الصدر في الدنيا وفي أعلى عليين في الآخرة، ويرفع رأسه في الدنيا لأن ذلك مقرون برفع الرأس في الآخرة، يوسع نفسه حتى تحتضن الإنسانية بأجمعها والكون وما فيه، يعتقد أن الدين في القلب لا في المظهر، والدين المعاملة لا العبادة وحدها، وأن خير الناس عند الله أنفعهم للناس - وقد كان هذا هو الدين الأول قبل أن يفسده المخرفون، وكانت هذه هي صورة المتدين قبل أن يشوها المتأخرون. لو كان الدين أتى أوله بمثل ما أتى به آخره ما تحرر أهله، ولا انتصروا ولا غروا، وكانوا طعمة لجيرانهم، أذلة في أنفسهم. إن الصورة الأولى التعيسة تملأ النفس شعورا بالضعة، وكما يعبر علماء النفس الآن تزيده شعورا «بمركب النقص»؛ بينما الصورة الثانية تبعث على التسامي. ومركب النقص يفقد الثقة بالنفس وبالرب، والتسامي يبعثها. إن للنفوس قوانين طبيعية لا تتخلف: احرم النفس طمأنينتها واملأها رعبا وجدردها من متع الحياة تفقد احترامها وقوتها، وأمدها بالمال الذي يلزمها وأصلح الظروف التي تحيط بها تتفتح وتحس القوة والعظمة. واعتماد النفس على إله مخيف ليس كاعتمادها على إله محب رحيم، وشتان بين شعور ابن نحو أب يحب ويرحم، ونحو أب يخيف ويرعب.

إن الدين الصحيح يغذي الشعور بالتسامي والتفوق، ويعالج الشعور بالنقص، والدين إذا فسد كان على العكس. الدين الصحيح ينقل النفس من «السوداء» والرعب إلى الطمأنينة والسعادة. إنه يوسع النفس حتى ترى بينها وبين الناس كلها، وبينها وبين المخلوقات كلها نسبا كنسب الأسرة الواحدة، ربها الله.

ويحدث في النفوس العظيمة أن تتصل بعالم غير منظور فيتسع أفقها اتساعا مضاعفا - وهي ظاهرة من الصعب إنكارها، وإن عز على العلم شرحها. وما نسميهم بنوابغ العالم وعظمائه هم من هذا القبيل؛ خلقت نفوسهم ولها الاستعداد والقدرة على هذا الإتصال، حتى لنرى هذا النوع - من كبار الأدباء والفنانين - يتعرضون لكتابة كتاب أو تصوير فكرة فيرتج عليهم ويصابون بالعقم، فما هو إلا أن يشعروا أن بابا كان مغلقا ثم انفتح فجأة، فاتصلت نفوسهم بعالم غير عالمهم، ورأوا ما لم يكونوا يرون. وتدفقت عليهم الإلهامات والمعاني والأفكار، حتى كأن الرواية أو الكتاب أو القصيدة أو الصورة الفنية أو القطعة الموسيقية تكتب نفسها؛ وهؤلاء يعالجون التعرض لهذا الوحي بأشكال شتى، ومعالجات نفسية، يستطيعون معها أن يستقبلوه، إما بنوع من العزلة والاستغراق، وإما بالتفكير في فكرة نبيلة، أو بقراءة كاتب ملهم مثلهم وتركيز النفس فيما كتب أو نحو ذلك. وليس أحد منا إلا من قرأ أو جالس عظيما فعجب كيف اتسعت نفسه هذه السعة، وكيف تتدفق منه الأفكار والآراء كأنها وحي منزل، وتفيض منه القوة حتى يعدي بها من قرأه أو سمعه. وعظماء رجال الدين من هذا القبيل تتسع نفوسهم لاتصالها بعالم روحي لا يقاس به عالم المادة. ويكاد يكون عند كل إنسان نوع من الاستعداد لهذا الوحي، ولكن الفرق بين النفوس كالفرق بين حبة ظلت حبة، وحبة وجدت جوها وغذاءها فأخرجت جذورا وجذعا وأغصانا وأزهارا وأثمارا. والتربية الصحيحة وتعاليم الدين الصحيحة هي التي تربي النفوس وتغذيها وتجعلها أقدر على أن تكمل نفسها وتوسع أفقها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠٤