قال بعض الأعضاء: «إنا راضون عن مكاننا، غير قلقين في موقفنا».
قال القلب: «لا بأس، إنكم اعتدتم الظلام فحمدتموه، وألفتم الضيق فاطمأننتم إليه، وستحمدون معي الخروج إلى النور، والسعة بعد الضيق».
وما زال بهم حتى ألف بينهم وقادهم عضوا عضوا إلى الخارج، ثم جمع أشتاتهم على أحسن ما كانوا.
قال القلب هذا لأنه وحده الذي شعر أن كل عضو جزء منه، وأن كل الأعضاء متفرقة منه متجمعة حوله: وهكذا رجعها كلها إليه. وأعادها متماسكة جسما واحدا كما كانت.
ودعا القلب هذه الدعوة؛ لأنه سكن الحب؛ لأنه وحده الذي يستضيء بنوره، وينصهر بناره؛ وهو وحده الذي لما مسه الحب كان منه الصبر واحتمال المكاره والتسامح والتضحية، والعمل لخير الجميع. •••
أليست دنيانا منزل «العروس»؟! كنا جسما واحدا أبناء آدم وحواء، فتفرقنا في أنحائها، وتخاصمنا في ملكيتها، واحتبسنا فيها، وفقدنا الشعور بوحدتنا، وسددنا الطرق على أنفسنا، وظن كل عضو أنه مستقل بنفسه، مستغن عن غيره.
إن العالم في كل أزمة كهذه ينتظر الداعي الذي يجمعه بعد تفرقة، ويأسوه بعد جراحه، ويدعوه إلى جمع شتاته؛ وما هذا الداعي إلا نفوسه الكبيرة التي يجود بها الزمان من آن لآن، على ندرة كندرة الجوهر في الأحجار، والصندل في الأشجار. إن هذه النفوس تشعر شعور الناس، وتحمل أعباء الناس، وتحيا للناس؛ إنها بعملها تنسج المستقبل، وتلد الأفكار للجيل الجديد؛ إنها تسمع شكوى الشعوب من ثقل أغلالهم، واستغاثتهم من سوء قيودهم، فتقدم أغلى شيء لديها لفك قيودهم، وتحرير عقولهم؛ إنها تعثر في أثناء جهادها على حجر الفلاسفة الذي تقلب به معادن الناس إلى ذهب خالص؛ إنها بأقوالها وأفعالها تحرك العالم وتحوله من جزر إلى مد؛ إنها ترى الغرض الأسمى على ضوء نار الحب فلا تهاب شيئا، وتسير إلى غرضها لا تلتفت يمنة ولا يسرة، محطمة في طريقها الأصنام التي تعوق الناس عن سيرها، منشدة أناشيد الإنسانية التي تملأ الناس حماسة وأملا.
| الحياة الروحية (4)
سعة النفس
تختلف النفوس سعة وضيقا كما تختلف الحجر والمنازل والأماكن؛ فمن الناس من تضيق نفسه حتى تكون كسم الخياط، ومنهم من تتسع نفسه حتى تشمل العالم وما فيه.
تولد النفس ضيقة شديدة الضيق، ثم كل تجربة من الحواس الخمس توسع دائرتها، وكلما زادت تجاربها زاد اتساعها.
وفائدة التربية توسيع النفس؛ فكل موضوع نتعلمه يزيد في اتساع نفسنا كما يزيد في اهتمامنا. فإذا قرأنا التاريخ - مثلا - قديمه ووسطه وحديثه زاد شعورنا بالأجيال المختلفة على تعاقبها، واتصلت نفوسنا بالعالم على توالي العصور، وارتبطت بعظماء الرجال على نحو ما، فكان ذلك كله عنصرا هاما لسعة النفس؛ وكذلك درس النبات، يزيد اتصالنا بعالم النبات ويخلق فينا عينا جديدة نقرأ بها في النبات وأنواعه وتطوره وحياته ما لم نكن نقرأ، فتتسع نفوسنا من هذه الناحية اتساعا يجعل علم النبات جزءا منا؛ وكذلك الشأن في كل علم من جيولوجيا وفلك وطبيعة وكيمياء. كل علم بشيء يبعث موجات لا سلكية من الأشياء المعلومة ويجعل من نفسنا جهازا مستقبلا لها، وعلى قدر علمنا بالعالم حولنا تكون سعة نفسنا، وتكون مقدرة استقبالنا للموجات، ويكون تجاوب نفسنا مع العالم.
وكما تتسع نفس الإنسان بعلمه بالشيء تتسع قدرته ونفوذه؛ فالمهندس يرى في الأبنية ما لم نر، ويقرأ فيها من أحجارها وأخشابها وأوضاعها ما لم نقرأ، ويستطيع أن يتخيل من الصور والأبنية والأشكال ما لم نتخيل، ويخرج إلى الوجود من المشروعات والتصميمات ما لم نستطع؛ وشتان بين موسيقى يدرك أدق شيء فيما يسمع، ويصغى إلى نفسه فيستخرج من الألحان ما نعجب به، وبين من ليس له أذن موسيقية فلا يميز بين صوت وصوت، فضلا عن خلق ألحان جديدة!
هناك وسائل كثيرة لتوسيع النفس، أكثرها شيوعا مزاولة الأعمال المادية مهما اختلفت هذه المادة ، فالنجار في نجارته، والحداد في حدادته، والتاجر في سلعه، والزارع في زرعه، كل يوسع نفسه ونفوذه في ناحيته. فممارسته العمل تنمي خياله في موضوعه، فيحلم بأشياء في ذهنه استخرجها إلى حيز الوجود بعمله، وكل التحسينات في الصناعات ناشئة عن هذه السعة في النفس التي تتبعها قوة الخيال وإصلاح الإنتاج.