تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأطاعت ما أمرت به، ونزلت ثلاثهن إلى الأرض يحتملن الأذى من أهلها، وظلت الثالثة تذهب وتجيء. وكان ما وعدها ربها حقا من طمأنينة من تألف الإيمان، وشقاء من طارده، والتئام جراح من احتضن الرجاء، وعذاب من أطاره، وسعادة من عانق الحب، وشقاء من أغلق دونه بابه. •••

وفي الحق ما الدين وراء هذه الثلاثة؟ إيمان بما وراء المحسوس لشعورنا به، فمهما غالبنا هذا الشعور بتقويمنا للمحسوس أكبر من قيمته، ومهما غالينا في تقويم العلم والمنطق، فتوازعنا الباطنية الطبيعية تنادينا من أعماقنا بالله، وتحن شوقا إلى رؤية الحمامة البيضاء، حمامة الإيمان. ومن فقدوا الإيمان بالله لجئوا إلى تسمة أخرى لما أعجزهم فهمه، من طبيعة، أو حظ، أو قدر، أو مجهول، أو مثل أعلى للعالم أو نحو ذلك! فقد تعددت الأسماء والمسمى واحد سبحانه وتعالى.

والرجاء - عنصر قوي في الدين، مبناه الاعتقاد في سعة رحمة الله - لقد وجد في كل دين لون من الرجاء ولون من الخوف، ووجد في كل عصر من رجاله من قووا جانب الرجاء ومن قووا جانب الخوف، وأنا أشد حبا لمن كانوا في جانب الرجاء، فهو أبعث للعمل، وأصلح للحياة، وأدعى إلى الطمأنينة وأفتح للرغبة في بذل الجهد لصالح الأعمال. ولست أحب طريقة الحسن البصري وأمثاله، ممن ملأوا القلوب رعبا وتخويفا وتهديدا، حتى شلوا القلوب، وطيروا الحب من النفوس، وجعلوا الحياة بائسة جزينة بغيضة. والقرآن في كل سورة يكرر: بسم الله الرحمن الرحيم، والرحمة مبعث الرجاء والحب، لا الخوف والرعب.

ما الحياة وما الدين بلا رجاء؟ قرأت مرة أن أحد كبار العلماء الملحدين حضرته الوفاة وعنده بعض أصدقائه من أمثاله، فقال له أحدهم يشجعه على البقاء على إلحاده: «لا تخف، لقد قربت من النهاية، فتماسك وتقو واحتمل». فقال المحتضر: «آه! ولكن لا أجد ما أتقوى به وأعتمد عليه، ليس لدي رجاء ولا أمل في حياة أخرى سعيدة، كل ما حولي ظلام».

وأما الحب فعماد الدين الحق، إنه في الدين يصحب الرجاء ولا يصحب الخوف، قد يبعث الخوف اجتناب الشرور والإتيان بالشعائر، ولكنه كالشرير يجتنب الجريمة اتقاء السلطان؛ بل الحب في الدين قد يستغني عن الرجاء والخوف.

وكانت حمامة الحب أجمل الحمامات شكلا، وأرشقها حركة، ففتن الناس بجمالها أكثر مما فتنوا بحقيقتها، فصنعوا لها تماثيل كثيرة وسموها الحب ولا روح لها. وكل يوم يسيء الناس استعمال اسمها ألوف المرات في أتفه الأشياء، أو في لا شيء، ويحدث ذلك حين تطير إلى السماء، أو تكون في مألف القليل ممن يفهم حقيقتها. •••

هذه قصة؛ وأما القصة الثانية فهي أن جنية ظريفة ممنك يسكن الأمكان السحيقة، أحبت المرح يوما، فنزلت أرض الناس ونسلت فيها؛ وشاء صغارها أن يلعبن، فصنعن «عروسا»، وبنين لها دارا على قدرها، وأرادت الأم الكبيرة أن تدخل المنزل وترى «العروس»، فصغر باب المنزل عن حجمها؛ ففكرت فكرة شيطانية: أن تفرق أجزاءها وترسلها جزءا جزءا، ففكت أصابعها وأدخلتها، ثم رأسها، ثم قلبها، ثم سائر أجزائها: فلما كانت جميع الأجزاء في المنزل ضاق بها، واحتك بعضها ببعض، فتخاصمت الأعضاء وتحاربت، وتنازعت على الأماكن، كل يدعي ملكية مكانة، وأنه أولى به، ولا تقبل من أي عضو احتلال مكانه أو القرب منه أو التحكك به. ثم أراد بعض الأعضاء الخروج فوجد الآخر في طريقه. وأبي أن يفتح له الطريق خشية أن يحتك ببعض الأعضاء الأخرى، واحتبس الأعضاء جميعا في بيت «العروس» الصغير المظلم، وتدافعوا من غير جدوى، واضطرب أمرهم، وأدركتهم الحيرة، وعمى على الأعضاء أمرهم وعلاقتهم بالجسم كله؛ وحينئذ نبض القلب، ووقف بين سائر الأعضاء خطيبا قائلا: «أيها الأعضاء! إنكم كلكم مني، وقد ساءت حالكم، واضطرب أمركم، وسأقدم لك النصح لأزيل اضطرابكم، وسأقدم لك المعونة لتخرجوا من مأزقكم، إني شاعر بحرجكم وضيقكم، وسأعمل لرفع الحرج عنكم».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٥٠١