وما المدنية الحقة إلى هذه الأصول الأربعة راسمة لكل أصل حدوده وطرقه، موازنة بينها حتى لا يطغى منها أصل على أصل، مهذبة كل أصل حتى لا يدخله الاستبداد والغرور، منقحة كل واحد منها حتى لا يدخله زيف أو تحوير أو تضليل.
ونفس كل إنسان فيها هذه العناصر الأربعة، مع تفاوت بين الناس في المقدرة والكفاية والفعالية والقابلية؛ والنفس الكلية للعالم كذلك فيها هذه العناصر واضحة جلية، وهي بجملتها وتفصيلها مظهر المدنية.
وفساد مدنيتنا التي نعيش فيها اليوم أتى من اختلال التوازن بين هذه العناصر، وما دخل على كل عنصر من الفساد.
فالعلم تقدم وتقدم، ولكن أين له القلب؟ لقد ملأ الدنيا آلات وأدوات، ونظريات في السياسة والاجتماع والاقتصاد، ولكن أصيب بعيبين: أولهما أن دائرته الطبيعية هي المادة، فأداة غروره أن يبحث فيما وراء المادة بأدوات المادة، فلما لم يجده أنكره؛ وثانيهما أن الروح لم تتقدم تقدمه وتخلفت وتخلفت، فاستخدم التقدم العلمي لخدمة الغرائز الوحشية على شكل ممدن، فإذا كان الوحشي يقتل بالحجر أو الهراوة، فالعلم يقتل بالكهرباء والغواصات والطائرات والغازات الخانقات؛ والوحشي يأسر خصمه ويستعبده لخدمته، والمدني يغزو ويفتح ويستغل ويستعبد بأسلوب منظم، وفي الأمة الواحدة أنواع وأنواع من الاستعباد؛ وكذلك الشأن في بواعث اللهو والسرور، فقد ترقت في الرقص والموسيقى واللعب. فالغرائز بين المتوحش والمتمدن واحدة، والبواعث واحدة، والعلم نظم الشكل وهذب الأسلوب فقط، وقامت عظمة المدينة على ما كان عند المتوحش من غريزة حماية الأسرة أو القبيلة بشكل أضخم، من استعداد حربي عظيم، وتقوية الروح العسكري ونحو ذلك؛ فالعلم - بتقدمه من غير أن يتقدم الباعث القلبي - أبقى القديم ورقى الشكل؛ فأصبحت المدنية على هذا الوضع وحشية مغلفة، أو همجية مفضضة.
والدين في المدنية الحديثة مظهر لا مخبر، وعمل بلا قلب، وشعائر بلا شعور، وحركات بلا روح، ورجاله أتباع السلطة المدنية، لا قادة الحياة الروحية، ينظرون بأعينهم إلى الأرض، ولا ينظرون بقلوبهم إلى السماء.
والفن تحريك للشهوة. واستجلاب للثروة، وجد في بقاء الشعور في مستواها الهزلي.
فهل هذا الذي نرى - من تدمير بلغ أقصى مداه، وقلق واضطراب وصل إلى نهايته، وزلزلة وبلبلة قلبت العالم رأسه على عقبه - إعلان للثورة على المدنية التي لا روح لها، ليبنى على أنقاضها مدنية لها روح؟
نرجو أن يكون!!
| الحياة الروحية (3)
قصتان هنديتان رمزيتان، قرأتهما هذا الأسبوع، فأعجبت بهما لطرافتهما ودقتهما، وإيحائهما إيحاء واسعا شاملا.
فأما الأولى: فخلاصتها أن الإنسان الأول لما شعر بضعفه، وبدأ يتعرف بربه، سمع صرخة استغاثة ملأت الآفاق، فحار في تفسيرها، ولما أعياه الأمر في البحث عن سرها أظلمت نفسه، وقلق باله، حتى جن عليه الليل، فرأى في منامه أن الروح الأعلى تجلت له وخاطبته: إن تقبل هديتي يزل قلقك، وينجل لك ما أبهم عليهك، ويضيء ما أظلم من نفسك. إني خلقت لك ثلاث حمامات بيضاء ناصعا لونها تسر الناظرين، تسمى إحداها الإيمان، والثانية الرجاء، والثالثة الحب؛ فإن أنت أسكنتها معك في أرضك، واستألفتها إليك، وحافظت على سكناها معك، ضمنت لك قوة في قلبك، ونورا في نفسك يكشف لك الحق، ويهديك إلى الخير، ويحقق لك السعادة.
وانتبه من نومه، فرأى الحمامات الثلاث في أرضه تساكنه، وتتحبب إلى الناس وتتألف لهم وتصادقهم؛ ولكن ما لبثت أن رأت قليلا من الناس يألفها ويصادقها، وكثيرا منهم يهزأ بها، وكثيرا آخر لا يعبأ بها، وكثيرا ثالثا يطاردها ويرجمها بالحجارة، حتى سئمت الحمامات من سوء ما لقيت، وعادت إلى بارئها وقالت: «سبحانك ربنا، لقد مللنا من خلقك في الأرض، فليس منهم إلا قليل أحسن استقبالنا، وأكثرهم عبسوا في وجوهنا، أو هزئوا بنا، أو طاردونا - لبئس المكان مكاننا في الأرض؛ إنا نضرع إليك أن تعفينا من سكننا هذا، وتقربنا إليك، وتسكننا في مملكتك السماوية، حتى لا نألم ولا نشقى» قال خالقها للأولى التي اسمها الأيمان: «ذلك ما ليس في الإمكان، فليس في ملكوت السماوات مكان لك، إن أهله قد ذاب إيمانهم في تمام معرفتهم، وانكشاف الحق لهم، وتحول غيبهم إلى شهادة، فعودي إلى الأرض حيث أهلها في حاجة إليك، وقد منحتك ندرة أن من تقبلك قبولا حسنا سعدت نفسه، ومن آذاك أو طاردك لم يعرفني، فأظلم قلبه وشقي في حياته». «وأما أنت أيها الرجاء، فكذلك لا مكان لك عند أهل السماء، فما محل الرجاء عند من بلغوا كل رجائهم، ونالوا منتهى أملهم - ارجعي إلى الإنسان وقد منحتك قوة أن تكوني باسما لهمومه، وعونا له في محنته، وألا يخاف من الموت إذا كنت بجانبه». «وأما أنت يا حمامة الحب فلك موقف آخر، حقا إن لك مكانا في ملكوت السماوات، وأنت نعيم الجنة؛ ولكن ألا تعودين إلى الأرض مع حمامتي الإيمان والرجاء، فليس لها حياة بدونك! وإذا كانت الجنة لا تستغني عنك فسأمنحك القدرة على أن تجولي في لحظة بين السماء والأرض، وأن تخطري في لمحة بين أهل الفناء وأهل البقاء؛ وسأجعل جزاء من يتعشقك ويتذوقك في الأرض أن يطمح إلى لقياك في السماء».