تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على هذا الأساس تكون الإنسانية تسبح في دائرتين: دائرة خارجية أو ظاهرية، ودائرة داخلية أو باطنية؛ مثل الأولى كجسم الشجرة، وجذعها وساقها، ومثل الأخرى كالحياة تدب فيها فتكون وظائفها المختلفة، وتهيئها للازدهار والإثمار، ومثلها جميعا كجسم الشمعة وقوتها على الإضاءة.

وكل ما نعني به الآن من علوم على اختلاف ألوانها، وما نعني به من تاريخ أحداث وحروب واجتماع، وما نعني به من دعوة إلى الصدق والأمانة، والجد والعدل، كل ذلك متعلق بالحياة الخارجية؛ أما الحياة الروحية فحياة داخل حياة، وحكومة داخل حكومة؛ وهذه غذاؤها الدين، وهو غذاء فاسد إن فسد، وصالح إن صلح.

ونرى في عضون التاريخ إشارات إلى هذا الحياة الروحية في معابد اليونان، وهيا كل المصريين ورموزهم: فالخاصة كانوا يفهمونها على حقيقتها ويرمزون إلى المعاني التي في صدورهم برموز مجسمة وقصص رمزية يفهمها الخاصة على أنها رمز، ويفهمها العامة على أنها حقائق. وهكذا الشأن في تاريخ سائر الأمم والديانات.

وقد حاول كشف المجهول من الحياة الخارجية والباطنية أربعة أصول؛ كل سلك طريقه الذي يناسب طبيعته ومزاجه: العلم، والفلسفة، والدين، والفن؛ وكثيرا ما تنازعت في الطريق، وقامت بينها المشاحنات والخصومات، ومنازعاتها دليل على أنها لم تدرك وظائفها حق الإدراك؛ وأن كلا حاول أن يوسع طريقه على حساب غيره، وأن يتعدى في اختصاصه على اختصاص غيره، ولو نظرت كلها إلى طريقها من طيارة لأدركت أن الطريق المرسوم لكل منها طريق مستقل بنفسه، واضح بأعلامه، وأنها كلها تصب في دائرة وسطها، هي دائرة الحقيقة. ولو سار كل في طريقه الخاص به، ولم يتعد على غيره لتوصل إلى الحقيقة من جانبه، وهذه الحقيقة كفيلة بأن تنكشف في نهاية كل طريق عما يخصه، وفيها كلها كشف الحياتين الظاهرة والباطنة، والعالمين عالم الغيب والشهادة؛ ولكن مع الأسف نرى علما يغير على دين، ودينا يغير على علم، وفلسفة تغير عليهما، جهلا بالطريق، وعمى عن الحقيقة.

إن العلم - كما قلت - أساسه الملاحظة والتجربة، ولا يكون ذلك إلا فيما يلحظ ويجرب، فإن أراد أن يتخطى أسواره إلى عالم الغيب، فقد أدواته، وتكلم كلاما سخيفا، وكذلك إذا أصابه الغرور، فأنكر ما وراء السور.

والدين عماده الوحي والوصول عن طريق الروح إلى عالم الغيب بالرياضة وما إليها، والاتصال بالشعور الأنبل إلى القوة العليا، فإذا هو تخطى الدائرة الروحية إلى الدائرة العلمية، فتعرض لقضايا العلم بشرحها ويدلل عليها، أو ينكر على العلماء بحثهم ونتائجهم، فقد تعدى طوره؛ وكذلك إذا أخذ يدلل على الدين بقضايا المنطق كما فعل علماء اللاهوت وعلماء الكلام في الإسلام، فقد أتوا بفلسفة تافهة ليس فيها طعم الفلسفة ولا طعم الدين؛ وكل هؤلاء وهؤلاء مثلهم مثل من أراد أن يشم بعينه، ويرى بأذنه، ويتذوق بأنفه.

والفن من أدب وموسيقى وتصوير أساسه الفهم العاطفي، والشعور باما خفي وراء المظاهر، والوصول إلى قلب الأشياء ومزجها بعواطف الفنان ومشاعره ومزاجه، وإبرازها في شكل متناغم، والاستمداد من قوة الخالق ليخلق صورا وألوانا يلهم بها العواطف النبل والسمو؛ فإن هو لم يمس الباطن واكتفى بالسطح، أو اقتصر على استخراج السخرية والهزؤ، لم يؤد رسالته، وعد من توافه الأشياء؛ وإن هو اكتفى باستدرار المال من الأمراء والأغنياء، أو كان وسيلة لإثارة المشاعر الجنسية، كان سلعة تجارية وضيعة لا سموا روحانيا رفيعا.

والفلسفة أساسها التأمل والتفكير المنطقي، وشرح ما نعلم وتمييزه عما لا نعلم، والوصول إلى جذور شجرة العلم والفن والدين لإدراك أصولها؛ فإن هي كانت لعبا بالألفاظ، وعرضا لآراء الفيلسوف ومشاعره، وتضاربها مع آراء الفلاسفة الآخرين ومشاعرهم، لم تؤد رسالتها، وكانت فلسفة لفظية أو شكلية أو حوارية، أو ضربا من التعمية، أو سخافة مغلفة بالألفاظ الغريبة الضخمة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٩٩