وهذه المملكة الباطنة سميت أسماء مختلفة، فبعضهم يسميها «دائرة المجهول»، و«ما لا يمكن علمه»، وسماها القرآن «الغيب»، كما سمى المملكة الظاهرة «الشهادة»، فقال:
الذين يؤمنون بالغيب ،
عالم الغيب والشهادة ،
لك من أنباء الغيب . الخ. وترى الأديان أن هذين العالمين إذا قوما فالمملكة الظاهرة قليلة القيمة جدا إذا قيست بمملكة الباطن؛ لأن الأولى ذاهبة فانية، والأخرى باقية خالدة؛ ولأن الأولى دخلها عنصر الزمان فأضعف قيمتها وأقصر مدتها، وأما الأخرى فلم يدخلها عنصر الزمان فخلدت. وكما كان في مملكة الظاهر خداعون وكذابون يكذبون في العلم والخلق والتجارة والصناعة، كان كذلك خداع وتمويه في عالم الغيب، كقصص العفاريت، وأعمال السحرة، والأساطير المتوارثة في كل أمة، والتنجيم والطلاسم، وهكذا.
وليس الإيمان بعالم الغيب - كما يظن بعضهم - ضربا من الأوهام ورثناه من آبائنا الأولين أيام كانوا ضعاف العقول، أقوياء الخيال، بل هو جزء من طبيعة النفس الإنسانية ملازم لها في جميع أدوار عقليتها ومدنيتها وثقافتها، والذين أنكروه أنكروه بمنطقهم، ولم يستطيعوا التجرد منه في نفوسهم ومشاعرهم.
يشعر الناس أن هناك دائرة للمعلوم تحيط بها أسوار، وأن وراء هذه الأسوار دائرة المجهول أو عالم الغيب، وأنهم يريدون أن ينفذوا من هذه الأسوار للوصول إليها، فمنهم من يصل ومنهم من ينقطع.
ووسائل إدراك مملكة الظاهر غير وسائل إدراك مملكة الباطن، فوسائل الأولى هو ما نسميه «العلم»، وهذا العلم يعتمد - فقط - على الحواس الخمس، وهي: السمع، والبصر، والشم، واللمس، والذوق؛ فكل المناهج العلمية، وكل الآلات والمخترعات، وكل البحوث في الطبيعة والكمياء، والفلك، والنبات والحيوان، إنما عمادها هذه الحواس الخمس، مرهفة أو مكبرة؛ حتى أدق العمليات الرياضية والهندسية، إنما هي أعمال الحواس الخمس تستخدم فيها المقارنة، ثم إعمال العقل في هذه المقارنات بالاستنتاج؛ وكل النتائج العجيبة التي وصل إليها العلم ليست إلا وليدة الملاحظات الحسية مع الاستنتاج المنطقي، وهذه هي خطة العلم دائما.
أما وسائل عالم الغيب، فليست الحواس ولا المنطق، وإنما هي الرياضة النفسية، واختطاط خطة غير الحواس الخمس، ومحاولة تخطي هذه الأسوار بها، والنفوذ من خلالها لإدراك عالم المجهول؛ وهذا ما سلكه دائما الروحانيون من الأنبياء والمتصلين بهم، فمحمد، وعيسى، وموسى، وغيرهم. لم يسلكوا سبيل العلماء في بحثهم واعتمادهم على الحواس وتجريبهم ومقارنتهم بين المواد والاستنتاج منها، إنما راضوا نفوسهم على نحو ما لينفذوا إلى عالم المجهول. وغار حراء بالنسبة لمحمد
صلى الله عليه وسلم
في جهده للوصول إلى المجهول من عالم الغيب، كالعالم في معمله وتجاربه في عالم الشهادة؛ هذا منهج وهذا منهج، وشتان ما بينهما. بالمنهج العلمي من ملاحظة وتجربة واستنتاج ومنطق تكتشف قضايا العلم، وبالمنهج الروحي الذي أشرنا إليه، يحدث نوع من المعرفة أساسه ما نسميه بالوحي أو الإلهام.
وفي القرآن قصة ترمز إلى الفرق بين نوعي العلمين: العلم المبني على المنطق، والعلم المبني على مكاشفة الروح، وهي قصة موسى مع العبد الصالح الذي علمه الله من لدنه علما؛ فموسى سلك سبيل المنطق، وبناء المسببات على الأسباب الظاهرة؛ وهذا العبد الصالح لم يسلك هذا المسلك، فخرق سفينة ليس لخرقها من سبب ظاهر، وقتل نفسا ذكية بغير نفس، وأقام جدارا لأهل قرية أبوا أن يضيفوهما، وكل هذا منتقد من جانب المنطق، ولكن له ما يبرره من جانب الإلهام الروحي كما شرح في القصة
1 .
لقد ذهب كثير من علماء النفس إلى أن وسائل العلم والمعرفة تنحصر في الوسائل المعروفة من ملاحظة وتجربة، وعدوا ما يظهر غير ذلك نوعا من المرض النفسي، أو شرودا في الخيال؛ ولكن ظهور حالات كثيرة من المعرفة، وانكشاف أمور ليس انكشافا أساسه المنطق، عدل أذهان كثير من علماء النفس، فأقروا بأن هناك إدراكا أساسه المنطق من ملاحظة وتجربة واستنتاج، وهذا هو العادة والأغلب؛ ولكن بجانب ذلك أحوال نادرة، يستطيع فيها الإنسان أن يدرك ويعلم، ويعرف عن طريق غير المنطق، وإن كانت نادرة؛ وأقروا بأن طريقة علمنا ومعارفنا وبحثنا واستنتاجنا هي الطريقة المألوفة العادية، ولكن ليست هي كل وسائل المعرفة، فهناك من الوسائل ومن أنواع الإدراك ما لا يخضع للمنطق. ومن ذلك الحين أخذ علماء النفس ينوعون اتجاههم، ويوسعون بحثهم؛ فبحثوا في التصوف ونفسيته، وكيفية إدراكه ومعرفته، ولا يزالون في بدء هذا الاتجاه، وهذا البدء كان بدءا نقط من الناحية العلمية، أما الحقائق نفسها فمقررة في كل دين، معترف بها في كل عصر.