لقد رمز «ويلز» بهذا إلى ضيق نظر القادة السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين وجمودهم على الآراء العتيقة البالية، ووقوفهم على ما ورثوه من تقاليد من قبلهم، وعدم إصغائهم إلى صوت كبار المصلحين الذين يدعون إلى بناء عالم جديد أساسه التفكير الحر وسعة النظر. ولكن قصته كذلك تصلح مثلا لمن يريد أن يخضع كل شيء في هذا العالم للمادة وقوانينها وعلومها، وينكر الروح والله والدين والإيمان، فهو لا يريد أن يعتقد في شيء إلا ما يعتقده سكان هذا الوادي، ولا يؤمن بما يرى هذا الشعب بعينيه - هو يسمع ويرى، ولكن قلبه لا يرى، وروحه لا ترى، ثم هو يزعم أن ما يشعر به المؤمنون ليس إلا ضربا من الخيال والوهم.
إن الناس يتفاوتون في المعرفة تفاوتا بينا، فمن الناس من إذا أراد أن يعلم حجرة وما فيها نظر من ثقب الباب فرأى بساطا هنا وكرسيا هناك، ثم زعم أنه عرفها؛ ومنهم من علا درجة عن هذا ففتح الباب ووقف في زاوية من زوايا الحجرة في ضوء قليل وزعم أنه رآها، وهذان موقفهما موقف العامة وأشباههما؛ ومنهم من تعمد أن يدخلها في وضح النهار، ويقف في جميع الزوايا، ويفحص ويمتحن كل ما فيها، وهذا هو العالم؛ ومنهم من يفعل ذلك ثم لا يكتفي به، بل يحاول أن يعرف شأن الغرفة من المنزل، وموضع المنزل من الشارع، ومكان الشارع من المدينة، ومنزلة المدينة من القطر، ومكان القطر من العالم، وذلك هو الفيلسوف من جانب، والروحي الحق من جانب.
إن في الإنسان ملكات عدة ليس العقل وطريقه العلمي إلا إحداها؛ وخطأ العالم الغربي في القرن الماضي كان تقوية الناحية العلمية على حساب الملكات الأخرى. ويعجبي تعبير طريف قرأته لأحد كتاب الغرب إذ يقول: «لقد أسرع العلم في السير حتى جاوز القلب بمراحل، فواجبنا أن نمنح العلم إجازة حتى يدركه القلب» - لقد نجح العلم نجاحا عظيما حتى استطاع أن ينفذ إلى أدق أعماق المادة، وحتى كاد يجعل العالم المادي شفافا واضحا، وحتى أخضع كثيرا من قوانينه لإرادته وهذا حسن وجميل. ولكن بجانب ذلك جعل حياة الإنسان مصطنعة سطحية، إلاهها السرعة والعجلة والآلات والأدوات، فكسب أذنه وخسر عينه؛ وما ضره لو كسبهما جميعا، إذن لوجد روحه التي فقدها في هذه الضوضاء والسرعة، وأحس الراحة والهدوء في نفسه ساعة ينعم فيها بالطبيعة والعالم وربهما.
وكما أن كل إنسان له نوع من الاستعداد والملكات للفن والموسيقى والشعر والعلم، كذلك عنده استعداد ما للإجابة الروحية، وهي أرقى من سائر كل الملكات. وكما أن كل إنسان له قدر من الفن ولكن ليس كل إنسان فنانا، وكل إنسان يغني ولكن ليس كل إنسان يجيد الغناء، كذلك كل إنسان روحي إلى حد ما، ولكن الروحيين حقا قليل. ويعجبي شاعر هندي في قوله: «الجواهر أحجار، ولكن لا توجد في كل مكان؛ والصندل أشجار، ولكن لا توجد في كل غاية - والفيلة كثيرة، ولكن فيلا واحدا هو فيل الملك؛ كذلك ما أكثر الناس ولكن قل بينهم الإنسان الحق». والنبوغ في كل ملكة موضع إعجاب، ولكن أعجب العجب هو النبوغ الروحي. وكما قال القائل: «إن المصلح وليد المدنية، ولكن النبي أبوها».
| الحياة الروحية (2)
عماد الأديان كلها أن وراء هذه المملكة الظاهرة في الحياة مملكة أخرى باطنة، وهاتان المملكتان يختلف بعضهما عن بعض تمام الاختلاف؛ فالمملكة الظاهرة فيها المادة بجميع أشكالها وتطورها، من حبة الرمل إلى خلية المخ، وفيها كل مظاهر الحياة مما نرى من جماد ونبات وحيوان، وفيها كل شؤون الإنسان الظاهرة، من زرع وتجارة وصناعة، وتنظيم للحياة الاجتماعية، واستغلال وجمع وإنفاق، وتدبير ميزانيات، وإنشاء دواوين وحكومات تشرف على الأعمال، وملوك أو برلمانات تشرف على الحكومات، وهكذا - وكل ما نقرأ من أحداث التاريخ فإنما هو تاريخ هذه المملكة الظاهرة - أما المملكة الباطنة ففيها أنبياء وأولياء وقديسون وملائكة وشياطين، ويوم آخر ، وبعث ونشور، وحساب وثواب وعقاب، وجنة ونار، وروح ووحي، وإلهام وإله.