تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما يختلف الناس في مقدار العناصر التي يتكونون منها، فبعض الناس أكبر عناصره العنصر الحيواني، فهو أقرب شيء إلى أن يعيش بغرائزه كالحيوان، لا هم له إلا مأكله ومشربه وملبسه؛ وبعضهم العنصر العقلي، كما يتجلى ذلك في العلماء المتخصصين للبحث والمعرفة؛ كذلك بعض الناس يغلب عليهم العنصر الروحي، وهؤلاء يشعرون بنقص في أنفسهم، ويشعرون أن روحا عليا تشرف عليهم، فيجهدون أن يتحرروا من نقص نفوسهم، ويوسعوا ترقيها بالاتصال بالروح العليا، فتنشرح صدورهم، ويشعرون أن قبسا من نور أضاء قلوبهم. ويحدث هذا عند نضوج الروح، فيدركون العالم على نحو غير الذي يدركه العالم. ثم يرون التشابه في الموجودات والوحدة فيها رغم اختلاف الأسماء والأشكال؛ وهم لا يقفون عند الظواهر، فيرون الإنسانية في المذكر والمؤنث، ويرون وحدة الإنسان مع اختلاف الألوان والأجناس؛ وهكذا تتسع روحهم حتى يروا الوحدة في الوجود، والله في كل شيء، فيتجاوب العالم معهم ويتجاوبون مع العالم، وتتسع نفوسهم لا إلى حد، ويرون في ذلك سعادة دونها أي سعادة؛ ويشعرون أن الظلام الذي كان يحيط بنفوسهم أخذ ينجذب شيئا فشيئا حتى صار نورا ساطعا، كالذي ينظر إلى خريطة العالم فلا يدرك منها شيئا حتى يقع نظره على بلدته فيتعرفها ويتعرف البلدان الأخرى بالنسبة إليها، فإذا الخريطة كلها مفهومة وإذا هي ذات معنى. يرون أن المادة خيال، والشهوات والرغبات أعراض زائلة، ولكن امتزاج روحهم بروح العالم هو الحق الذي لا يزول ولا يفنى. ويبلغ من شعورهم بوحدة الأشياء أن يشيع الحب في نفوسهم لكل شيء، فألم إنسان ألمهم، وسعادة إنسان سعادتهم، ونجاح الإنسان نجاههم، وفشله فشلهم، حتى ليبغ الأمر ببعضهم أن يأملوا أن تبلغ الإنسانية من الصحة والنضوج مدى تتمازج فيه أرواحها، حتى يشعروا بالوحدة وبالسعادة ينالها بعضهم، وبالألم يصيب بعضهم، ويعملوا ليبلغوا السعادة جميعا.

قد كان علماء النفس في حداثة عهدهم يهزءون بهذه الحالات النفسية ويرونها ضربا من الخيال، وسبحا في الوهم، فلما نضجوا آمن بها بعضهم، واعترفوا بها في كتبهم، وسجلوها في تجاربهم.

لقد جنى على الحياة الروحية كثرة ما أحاط بها من تخريف وتمويه، فكان بجانب الأنبياء المتنبشون الكاذبون، وبجانب الصوفية الحقة الدجالون الخداعون، وبجانب الملهمين الحشاشون. وكان ما أصيب به الجانب الروحي أكثر ما أصيب به الجانب العقلي، لأن معيار العلم يمكنه في سهولة أن يعرف زيفه، وليس بهذه السهولة الجانب الروحي.

والإنسان بتنميته جانبه الروحي يستطيع أن يدرك من الحق ما لا يدركه العلم، وأن يقوي نفسه بما لا يقويها العلم . ومن الخطأ الاستناد على العلم وحده دون الروح.

قد يكون مصلحو الشرق معذورين في دعوتهم القوية إلى البحث العلمي، ونشر المنهج العلمي ووجوب الاعتماد عليه، لأننا في الشرق نعيش على التقليد والتخريف، حيث يجب أن نعيش على العلم في الزراعة والصناعة والتجارة ووسائل التربية وما إلى ذلك؛ ولكن مع التسليم بهذا كله يجب ألا نهمل الروح في دائرتها. ولعل الشرق إذا اتجه إلى هذا الجانب الروحي بجانب اهتمامه بالجانب العلمي فاق الغرب في ذلك؛ لأن له تاريخا قديما في الروحانيات، وهو ملهمها الغرب.

إن العلم له دائرته التي يجب أن نعترف له بها، ونؤسس حياتنا عليه في حدوده، ولكن بجانب العلم الروح، وبجانب العقل القلب، وبجانب المنطق الإيمان، ولكل وجهة هو موليها، وما أحسنهما إذا اجتمعا، وما أشقاهما إذا افترقا.

تعجبني قصة طريفة للأديب الكبير «ه. ج. ولز» سماها «مملكة العميان»، خلاصتها - فيما أذكر - أن جماعة من العميان طوح بهم القدر حتى أنزلهم واديا بعيدا منعزلا، تحيط به من كل الجوانب الجبال الشاهقة الوعرة، فعاشوا فيه، ونسلوا عميانا مثلهم؛ وقد عوضتهم الطبيعة عن فقدان أعينهم قوة في حدة آذانهم، وبذلك استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم مدينة توافق حالتهم وطبيعتهم، ووثقوا كل الثقة بمعارفهم ومداركهم، وآمنوا كل الإيمان أن العالم كله محدود بحدود أربعة هي سلسلة جبالهم، وشاء القدر أيضا أن ينزل بواديهم رجل بصير، فحدثهم يوما عن السماء الزرقاء فوقهم وجمالها، والنجوم الساطعة وضيائها، والثلوج المعممة للجبال وبياضها ولمعانها، فلم يشكوا أنه مجنون، وجزموا أن ما يحدثهم به عن قوة عينيه ورؤيتها لهذه الأشياء ليست إلا ضربا من الخداع والوهم. وحاول بكل ما يستطيع من قوة وبيان أن يفهمهم أنهم عميان فاقدوا البصر، وأنه بصير، فلم يزدهم ذلك إلا عتوا وضلالا، وإمعانا في الضحك منه والسخرية به؛ وقالوا لو كان في رأس هذا الرجل عقل لتخلى عن هذه الأحلام والأوهام، ووجه همته إلى الحياة الواقعية، والأشياء العملية، وقوي سمعه حتى يبلغ مبلغنا، واتبع الطريقة التي سلكنا، وسار على المنهج الذي عليه أجمعنا. فلما أعياهم أمره قرروا أن سبب مصائبه وفساد عقله يرجع إلى هاتين النافذتين في وجهه التي يزعم الإبصار بهما، وأن لا شفاء له إلا بفقئهما؛ ولكن كان من حسن حظه أن يجد منفذا للهرب من هذا الوادي.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٩٦