تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زعماء الإصلاح الإسلامي في العصر الحديث‏

محمد بن عبد الوهاب (1)‏

محمد بن عبد الوهاب (2)‏

مدحت باشا (1)‏

مدحت باشا (2)‏

مدحت باشا (3)‏

مدحت باشا (4)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (1)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (2)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (3)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (4)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (5)‏

السيد جمال الدين الأفغاني (6)‏

السيد أحمد خان (1)‏

السيد أحمد خان (2)‏

| فيض الخاطر (الجزء الخامس)

| فيض الخاطر (الجزء الخامس)

| مقالات أدبية واجتماعية

تأليف

أحمد أمين

| الحياة الروحية (1)1

أعجب ما في الإنسان أنه يحيا حياة واحدة هي مزيج من جملة ألوان، فلا تزال فينا طبائع النبات ومظاهره، نبحث عن غذائنا في الأرض كما يبحث، ونعيش تحت رحمة الرياح والفصول كما يعيش، وفينا أيضا طبائع الحيوان من شهوات وغرائز؛ وفينا العقل الذي يسيطر على هذه الطبائع الحيوانية، ولكنه يعجز عن السيطرة عليها سيطرة تامة.

وكما يكون نورا إلهيا يهدي الطبائع والغرائز، قد يكون نارا شيطانية تثيرها؛ فتجعله أفرس من أسد وأمكر من ذئب. ورقي الإنسان إنما هو في استطاعته أن يوازن الموازنة الدقيقة بين ما في باطنه من عناصر نبات، وعناصر حيوان، وعناصر إنسان، وما أشقه من عمل!

وهو - لما في طبيعته من عناصر مختلفة نباتية وحيوانية وإنسانية - قد واجه مشاكل لا تحصى لا يزال طوال الزمان يحاول حلها وترقيتها.

هو من ناحيته النباتية يواجه مشكلة البيئة التي تناسبه والتي لا تناسبه؛ وغلة الأرض وحاجته منها بعد أن وزعت في البقاع والأصقاع حسب طبيعتها، والأخطار التي يتعرض لها من حشرات وديدان، وجو وعطش وغرق.

وهو من ناحيته الحيوانية قد ورث دينا ثقيلا، من غرائز جامحة، وميل إلى افتراس بعضه بعضا، فكان لا بد له من تحصين للدفاع والهجوم؛ ودعاه ذلك أحيانا إلى التعاون لصد العدو، وأحيانا إلى التفرق لقتال بعضه بعضا، فألف القبيلة، ثم الأمة، وتحارب كما يتحارب جنس من الحيوان مع جنس آخر، وتنازع على الطعام وعلى الشراب وعلى الحب الجنسي كما يتنازع الحيوان؛ وساعده ما منح من عقل على تنظيم هذا الاجتماع والافتراق، والتعاون والتحارب؛ وعلى العموم استخدم العقل لتنظيم الغرائز الحيوانية.

ثم كان من عنصره الإنساني شوقه الشديد للعلم والمعرفة، فأخذ من مبدئه يتعلم ويعلم، ويورث ما وصل إليه من يأتي بعده من الأجيال، ويخترع اللغة لإيصال معلوماته. ثم أخذ ينشئ المعاهد؛ يبث فيها ما وصل إليه العلم من الأجيال السابقة، ويزيد في توسيع دائرة المعلوم، وتقليل دائرة المجهول، ثم يستخدم العلم في حياته النباتية والحيوانية، وينشئ الصناعات، وهو كلما تقدم تعقدت مشاكله، وتركبت نظمه، فأوجد الوظائف المختلفة في المجتمعات تنظم شئونها، ويقوم كل بقسطه في ترقيتها. فالأسرة تربي الطفل؛ ومعاهد التربية تكمل تربيته؛ ومعاهد الصناعة تخرج ما يحتاجه العالم؛ والدولة تشرف على هذه الأنواع المختلفة من النظم، وتوحد بينها وتوجهها.

ثم في الإنسان عنصر روحي بجانب عنصره النباتي والحيواني والعقلي، أحسه الإنسان منذ وجد، وكما أن عنصر العقل فيه مظهره العلم، فعنصر الروح فيه مظهره الدين.

من طبيعة الإنسان الطموح إلى كل ما هو حق وخير وجميل، وقد وجد مصداق ذلك كله في الدين فاعتنقه، ومن طبيعته الشعور بقوة تسيطر على نفسه وعلى العالم؛ ومن طبيعته الشعور بأن هناك روحا عليا ليست روحه إلا شرارة منها وقبسا من نورها، وأنها تتجاوب معها، فكان ذلك هو الدين على اختلاف مناحيه ومذاهبه وأنواعه وأسمائه وشعائره، لقد شعر - منذ نشأته في بداوته إلى منتهى ما وصل إليه من حضارة - أن في باطنه شيئا ليس ماديا وليس من جنس الأرض. ولما تقدم العلم كل هذا التقدم لم يهتد إلى حل العلاقة بين العقل والحياة، وبين المادة ومظاهرها، ولما فرغ العلماء لعلمهم، وبحثوا واكتشفوا القوانين، وآمنوا بالعلم كل الإيمان، ظل كثير منهم يشعرون بفراغ في أنفسهم، وهذا الفراغ لا يملؤه إلا إيمان بقوة فوق المادة، وروح تسيطر عليها وتبعث فيها الحياة والروح، وأنهم بهذا الإيمان يشعرون بقوة عظيمة، لاتساع نفسهم واندماجها في العالم أجمع، وأنهم والعالم مشمولون بروح عليا تسيرهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٩٥