85 .
وقد ذكر ابن بطوطة أيضا أن أحد شيوخ الفتيان الأخية - وهو من الخزازين - دعاه فاستضعفه، ثم تبين أنه «أخي» وأصحابه نحو مئتين من أهل الصناعات، وقدموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة، وقد ذهب معه ابن بطوطة هو وأصحابه، وقال في وصف ما شاهده: «فوجدنا الزاوية حسنة، مفروشة بالبسط الرومية الحسان، وبها الكثير من ثريات الزجاج العراقي ... وقد اصطف في المجلس جماعة من الشبان، ولباسهم الأقبية وفي أرجلهم الخفاف وكل واحد متحزم على وسطه بسكين في طول ذراعين، وعلى رءوسهم قلانس بيض من الصوف، بأعلى كل قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض إصبعين، فإذا استقر بهم المجلس نزع كل واحد منهم قلنسوته ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه قلنسوة أخرى من الزردخاني وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين، ولما استقر بنا المجلس عندهم أتوا بالطعام الكثير والفاكهة والحلوى، ثم أخذوا في الغناء والرقص، فراقنا حالهم، وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم؛ وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.» وهكذا ظل ابن بطوطة يذكر في سياحته في الأناضول أنه كان يسأل حين ينزل كل بلد عن الأخية والفتيان، وأن الفتيان كانوا يتنازعون على ضيافته، وأنهم يحتكمون أحيانا إلى القرعة، وأنهم إذا أضافهم جماعة من الفتيان أدخلوهم الحمام، فإذا خرجوا منه أتوهم بطعام وحلوى وفاكهة، وبعد الفراغ من الأكل يقرءون القرآن، ثم يأخذون في السماع والرقص، وقد ذكر ذلك عدة مرات في رحلته
86 .
وذكر ابن بطوطة الأخية في موضع آخر فقال: «لما دخلنا الزاوية وجدنا النار موقدة، فنزعت ثيابي ولبست ثيابا سواها، وأتى الأخي بالطعام والفاكهة وأكثر من ذلك، فلله درهم من طائفة ما أكرم نفوسهم وأشد إيثارهم، وأعظم شفقتهم على الغريب، وألطفهم بالوارد وأحبهم فيه، وأجملهم احتفالا بأمره؛ فليس قدوم الإنسان الغريب عليهم إلا كقدومه على أحب أهله إليه.»
87 .
يؤخذ من هذا كله أنه في بلاد الأناضول وما حولها كان في كل بلد جماعة من الفتيان، يعيشون عيشة اشتراكية، فكل ما جمعه أحدهم من عمله أو صناعته دفعه لرئيسهم وهو «الأخي»، وهو ينفق عليهم، وهم يعيشون في زاوية عيشة دينية مرحة، فيها ذكر وفيها تلاوة قرآن وفيها غناء وفيها رقص، وأن هذا إنما يكون لمن ليس لهم أسرة، فهم عزاب أو نحوهم، وليسوا يعيشون فقط لأنفسهم، وإنما يعيشون كذلك للضيوف وللبائس والفقير.
وكانوا يلبسون كذلك لبسة خاصة شأن الصوفية، فشيوخهم يلبسون لبسة ينسبونها شيخا عن شيخ حتى تصل إلى الإمام علي بن أبي طالب
88 .
وكان من انتشارها أن كثر استعمالها وتحدث الناس بها، وتجادل العلماء في شأنها.
يدل على ذلك استفتاء رفع إلى «ابن تيمية» المتوفى سنة 738ه - يلقي هذا السؤال ضوءا على الفتوة ونظامها - فقد سئل عن «جماعة يجتمعون في مجلس، ويلبسون الشخص منهم (لباس الفتوة)، ويديرون بينهم في مجلسهم شربة فيها ملح وماء، ويشربونها ويزعمون أنها من الدين ... ويقولون: إن رسول الله ألبس علي بن أبي طالب لباس الفتوة، ثم أمره أن يلبسه من شاء، ويقولون: إن هذا اللباس أنزل على النبي (
صلى الله عليه وسلم ) في صندوق ويستدلون عليه بقوله تعالى:
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم ، فهل هو كما زعموا، أو هو كذب واختلاق؟ ... ومنهم من ينسب ذلك إلى الخليفة الناصر لدين الله عن عبد الجبار، ويزعم أن ذلك من الدين، فهل لذلك أصل أم لا؟ وهل الأسماء التي يسمي بها بعضهم بعضا من اسم الفتوة ورءوس الأحزاب والزعماء لها أصل أم لا؟ ... ويقوم رئيس القوم إلى الشخص الذي يلبسونه، فينزع عنه اللباس الذي يلبسه ويلبسه الذي يزعمون أنه لباس الفتوة، فهل هذا جائز أم لا؟ ... وهل للفتوة أصل في الشريعة أم لا؟ ... وهل أحل أحد من الصحابة أو من التابعين أو من بعدهم من أهل العلم هذه الفتوة المذكورة؟».