وقد أجاب «ابن تيمية» عن هذه الأسئلة فقال: إن لباس الفتوة وإسقاء الملح والماء باطل لا أصل له، ولم يفعل هذا رسول الله ولا أحد من أصحابه، ولا علي بن أبي طالب ولا غيره ولا من التابعين، والإسناد الذي يذكرونه من طريق الخليفة الناصر إلى عبد الجبار إلى ثمامة فهو إسناد لا تقوم به حجة وفيه من لا يعرف ... وما ذكر من نزول هذا اللباس في صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي يواري السوءة هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله هذه الآية لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون: ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله:
خذوا زينتكم عند كل مسجد ، والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة، وأن النبي (
صلى الله عليه وسلم ) تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه، وأنه فرق الخرق على أصحابه ... إلخ.
وأما الشروط التي يشترطها شيوخ الفتوة، فما كان مما أمر الله به: كصدق الحديث وأداء الأمانة وأداء الفرائض واجتناب المحارم ونصر المظلوم وصلة الأرحام والوفاء بالعهد، أو كانت مستحبة: كالعفو عن الظالم واحتمال الأذى وبذل المعروف، وأن يجتمعوا على السنة، ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك، فهذه يؤمن بها كل مسلم، سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشترطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله؛ مثل التحالف الذي يكون من أهل الجاهلية أن يصادق كل صديق الآخر في الحق والباطل، ويعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره على كل من يعاديه، سواء كان الحق معه أو مع خصمه، فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال، وهي شروط ليست في كتاب الله، فهو باطل.
ثم قال ابن تيمية: وأما لفظ «الفتى» فمعناه في اللغة «الحدث»، كقوله تعالى:
إنهم فتية آمنوا بربهم ، وقوله تعالى:
قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، لكن لما كانت أخلاق الأحداث اللين، صار كثير من الشيوخ يعبرون بلفظ الفتوة عن مكارم الأخلاق، كقول بعضهم: «الفتوة أن تقرب من يقصيك، وتكرم من يؤذيك، وتحسن إلى من يسيء إليك، سماحة لا كظما، وموادة لا مسايرة.»، وقول بعضهم: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى؛ وأمثال ذلك، فهذه أمور حسنة مطلوبة محبوبة سميت فتوة أم لم تسم.
وأما لفظ الزعيم فإنه مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين، قال تعالى:
ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ؛ فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال: هو زعيمهم فإن كان قد تكفل بخير كان محمودا على ذلك، وإن كان شرا كان مذموما على ذلك، وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب؛ أي: تصير حزبا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان، فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا: مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء أكان على الحق أو الباطل؛ فهذا من التصرف الذي ذمه الله تعالى ورسوله؛ فإن الله روسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن الفرقة والاختلاف، وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.
هذه خلاصة الفتوى، وهي ترينا صورة من جماعة الفتوة وتقاليدهم وتعاليمهم وحركة رجال الدين المعارضين لهم
89 . •••
وهذان النوعان من الفتوة - أعني الفتوة الصوفية والفتوة المدنية - ظلا يعملان ويتطوران إلى عصرنا هذا: فالفتوة الصوفية تحولت في تركيا إلى قوة دينية، كالولاية النقشبندية تساير قوة السلاطين السياسية أحيانا وتناهضها أحيانا، حتى أبطلتها تركيا في ثورتها الحديثة، وتحولت في الشرق إلى خانقاه وتكايا، أصبحت فيما بعد مأوى للعجزة ومن يريد أن يعيش عيشة عزلة عن العالم، ففقدت بذلك معناها الأول، وتحولت من قوة إلى ضعف ومن نجدة إلى خمول.