وكأنهم ولدوا على صهواتها
ثم يتعود ركوبها على اختلاف أنواع سيرها؛ ثم الصيد عليها وهكذا، وكذلك وضعوا التعاليم للقسي والنشاب والتروس وما إليها.
وكانت الوقائع بين المسلمين والروم في الثغور منشأ لظهور ضروب من الفروسية تستدعي الإعجاب، كما كانت الحروب الصليبية مصدرا كبيرا كذلك، وفي كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ الشيزري، و«الروضتين» لأبي شامة، و«سيرة صلاح الدين» لابن شداد أمثلة كثيرة من هذا الضرب تأخذ باللب.
كما اشتهر في هذه العصور قوم من الإسماعيلية بهذه الفروسية، جاء في كتاب «آثار الأول»، بعد أن ذكر قصة من فروسية بهرام: «ومثل هذا في المعنى رجال ببلاد الإسماعيلية، ويسمون برجال الدعوة معدون لمثل هذا، فإن الرجل منهم أو الرجلين يغني عن حركات الجيوش الكثيرة؛ ويقال لهم في بلاد الإسماعيلية وفي بلاد الفرنج «الحشيشية»، وعند أهل الأقاليم «الفداوية»، وهم قوم على دين الإسلام، وقد كانت للملوك الإسلامية بهم عناية كبيرة، وفي زماننا عني بهم الملك الظاهر وسيرهم في الأشغال الكبار فقضوها مع الفرنج والتتار ... وفي قلاع الإسماعيلية في زماننا هذا ألف بهرام.»
82 .
ويظهر أن هذه الفروسية بشعائرها كانت سببا في نشأة «الفتوة» بهذا المعنى، وقد وضعت لها نظم وتقاليد؛ يدل على ذلك عبارة قيمة وردت في تاريخ ابن الأثير في خلافة الناصر لدين الله العباسي الذي تولى من سنة 575 إلى سنة 622ه، وهي: «وجعل (الناصر) جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة، فأبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى إليه، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة، وكذلك أيضا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره، ومنع الرمي بالبندق إلا من ينتمي إليه، فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك، إلا إنسانا واحدا يقال له: ابن السقت من بغداد، فإنه هرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل إليه (الناصر) يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي إليه فلم يفعل، فبلغني أن بعض أصدقائه أنكر عليه الامتناع من أخذ المال؛ فقال: يكفيني فخرا أن ليس في الدنيا أحد إلا يرمي للخليفة إلا أنا، فكان غرام الخليفة بهذه الأشياء من أعجب الأمور.»
83 .
ما سراويل الفتوة؟ وما شكلها؟ وما نظام الفتوة الذي وضعه؟ لا أعرف تفصيل ذلك.
وقد ذكر المقريزي في كتابه السلوك عبارة تشبه هذه في خلافة الناصر، وزاد عليها بأنه كان من ضمن هذه الشعائر شرب كأس الفتوة.
وقد ذكروا أن كأس الفتوة هذه ليست نبيذا ولا خمرا، وإنما هي ماء وملح.
ومن هذا القبيل أعني الفتوة المدنية ما يروى أن ابن حيوس الشاعر المشهور المتوفي سنة 473ه - وكان متصلا ببني مرداس بحلب وكان أميرا - كان يلقب بأمير الفتيان وإن لم أعثر على سبب لتلقيبه بهذا اللقب
84 .
أما الفتوة الصوفية فقد تمت كذلك على توالي العصور، وخير المصادر التي بين أيدينا تشرح حالها ومظاهرها رحلة ابن بطوطة، الذي ولد في طنجة سنة 703ه وساح في مصر وفارس والشام وجزيرة العرب والصين والتتر والهند وأواسط إفريقيا وإسبانيا.
وقد أكثر ابن بطوطة من ذكر نظام الفتيان في سياحته في الأناضول، وشرح هذا النظام في أول كلامه عليه، فقد جاء في الرحلة عنوان «ذكر الأخية الفتيان» فقال: «واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية الرومية (الأناضول) في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالا بالغرباء من الناس، وأسرع إلى الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة، وقتل الشرط ومن لحق بهم من أهل الشر، والأخي عندهم رجل يجتمع عليه أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأغراب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات، ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام، إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعاتهم بالغدو، وأتوا بعد العصر إلى مقدمهم بما اجتمع لهم ويسمون بالفتيان، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالا منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وأصفهان، إلا أن هؤلاء أحب في الوارد والصادر، وأعظم إكراما له وشفقة عليه.»