تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

77 ، ومن ذلك ما جاء من أن أحمد بن خضرويه قال لامرأته: «أريد أن أتخذ دعوة أدعو فيها عيارا شاطرا كان في بلدهم رأس الفتيان»؛ والعيارون الشطار هم فئة ينطبق عليهم ما ذكرنا من اعتزازهم بالقوة، واستخدامها في التهديد والسلب والنهب.

ثم هناك نوع رابع تستعمل فيه الكلمة، هو نوع من الفروسية المنظمة، فقد اشتهرت ألعاب الفروسية في العصر العباسي ونظمت، وكثر اللعب بالبندق والخروج به لرمي الصيد، فقد ذكر الأغاني في سبب موت الشاعر «أبى العبر» أنه خرج إلى الكوفة ليرمي بالبندق مع الرماة من أهلها في آجامهم، فسمعه بعضهم يقول قولا سيئا في علي فقتله

78 ، كما عنوا بلعب الكرة والصولجان وبالصيد والقنص، وقال الفخري: «إن المعتصم كان ألهج الناس بالصيد، بنى في أرض دجيل حائطا طوله فراسخ كثيرة، وكان إذا ضرب حلقة يضايقونها، ولا يزالون يحدون الصيد حتى يدخلونه وراء ذلك الحائط، فيصير بين الحائط وبين دجلة، فلا يكون للصيد مجال، فإذا انحضر في ذلك الموضع دخل هو وولده وأقاربه وخواص حاشيته، وتأنقوا في القتل وتفرجوا، فقتلوا ما قتلوا وأطلقوا الباقي، وكانوا يعدون هذه الأنواع من صيد ورمي ونحوهما من قبيل الفتوة.». •••

على كل حال في العصر العباسي وبعده تمت الفتوة في مناحيها المختلفة، وأهمها نوعان:

فتوة يصح أن نسميها فتوة مدنية أو دنيوية

وفتوة دينية أو صوفية

ويظهر أن النوعين كانا متميزين بعضهما عن بعض في نظمهما وتقاليدهما، وهذا ما سنحاول أن نوضحه.

الفتوة المدنية:

وهي - على ما يظهر - وليدة الفروسية والشجاعة، ومن قديم عرف العرب بالشجاعة والفروسية، وقالوا في ذلك الأشعار الكثيرة من أمثال معلقة عمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، وخلفوا لنا أدبا وافرا في كل ما ينطق بالفروسية والشجاعة، وعني المؤلفون بعد في جمعها وتصنيفها ككتاب «حلبة الفرسان وشعار الشجعان» لابن هذيل الأندلسي (وقد طبعه مارسيه سنة 1922 بباريس) وقد ذكر فيه الخيل وصفاتها والمسابقة بها، والسيوف والرماح والقسي والنبل والدروع والترس وما إلى ذلك، وما قيل فيها من أشعار وآثار وغير هذا من الكتب كثير.

ولما جاءت الدولة العباسية تسلط العنصر الفارسي أولا والتركي ثانيا، وكان لهم نظم في الفروسية غير النظم العربية البسيطة البدوية، فتسربت منهم إلى المسلمين، ورأينا المؤرخين يذكرون أن «الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان ورمى بالنشاب في البرجاس»؛ والكرة والصولجان من ألعاب الفرس كما يدل عليهما اسمهما، ورأيناهم يقولون في المعتصم: إنه «غلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم»

79 ، وأنه «قسم أصحابه للعب الكرة»

80 ، ومعلوم أن المعتصم أول من استعان بالأتراك في أعماله وقربهم إليه وجعلهم جنده، واشتهر في عصره بالتفنن في الصيد والقنص ، وعدوه مما يدرب على الفروسية ويمرن على احتمال الجوع والعطش، ويقوي على شدة التعب

81 ، واقتبسوا في ذلك من الفرس والأتراك، فعلموا الجوارح من الطير والكواسر من الفهود والكلاب، ووضعوا الكتب في جودتها وصفاتها وطرق تعليمها وأمراضها وما يصلح كل واحد منها، وسايرهم الشعراء والأدباء في ذلك، فأصبحنا نرى في كثير من دواوين الشعراء بابا خاصا يسمى «باب الطرد» وهو الصيد، وقالوا الأشعار الكثيرة في وصف الفهود والكلاب والباز والصقر ونحوها، ووضعت الكتب في ذلك وسمي الفن «فن البيزرة»، ورويت القصص الكثيرة في أحاديث الفروسية، وقارن الكتاب بين فروسية العرب والفرس والترك وغيرهم مما ليس هنا مجاله، ووضعوا القواعد لتعليم الفروسية فقالوا - مثلا - إنه يجب أن يبتدئ الفارس بالخفة في الوثوب والنزول، ثم يتدرب على ركوب الفرس العربي العريان بلا عدة سوى الرسن، قال المتنبي في وصف أمثالهم:

فكأنها خلقت قياما تحتهم

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٤٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٤٩٠